مع عهد السعودية الجديدة، والإصلاحات المختلفة التي تمَّت منذ سنوات، وانفتاح الآفاق، وزيادة هامش الحرية في الصحافة السعودية، بدأت الأندية الأدبية هي الأخرى تستفيد من فرصة انفتاح الآفاق
منذ ثلاثين سنة تقريباً، وأثناء إقامتي الطويلة بالمملكة، وبعد أن غادرتها إلى أمريكا، وأنا أراقب بشغف شديد واهتمام كبير نشاط الأندية الأدبية بالمملكة، ودورها في الحراك الثقافي، رغم كل ما يعترضها من صعوبات وعقبات ثقافية، واجتماعية، واقتصادية.
عناصر إيجابية للأندية الأدبية
وعندما نتحدث عن سلبيات وإيجابيات هذه الأندية الأدبية مجتمعة، فلا بُدَّ من الإشادة بعنصر إيجابي مهم، وهو أن هذه الأندية لم تخضع كليةً ونهائياً لأية إيديولوجيا، كما تمَّ مع النقابات المختلفة في أنحاء كثيرة من العالم العربي، فيما لو علمنا أن هذه الأندية الأدبية، كانت بمثابة نقابات، وإن لم تُطلق عليها هذه التسمية، تلافياً لسقوطها في بئر الإيديولوجيا المهجورة.
وهذه إيجابية جيدة، وأما الإيجابية الأخرى، فهي رغم العين الحمراء من الدينيين المتشددين التي ترمي هذه الأندية بشرر، بين حين وآخر، إلا أن هذه الأندية استطاعت أن تقوم بدور حداثي وطليعي من خلال نشاطاتها المختلفة، والتي علينا أن نقرَّ بها، رغم القصور المادي الذي تعاني منه حيث ترصد الدولة مليون ريال فقط سنوياً لكل ناد. وهو برأينا مبلغ غير كاف، وتمَّ رصده منذ سنوات حين كان وضع المملكة (العين البصيرة واليد القصيرة) ولكن يد العطاء الآن، وقبل سنوات، قد طالت، وأصبحت قادرة على مد يد الدعم المالي الجزيل لهذه الأندية التي تبذل جهداً ثقافياً مميزاً، رغم - كما قلنا – الكثير من العقبات والموانع الثقافية والاجتماعية. ولكن إيمان المثقفين القائمين عليها والمشاركين في فعاليتها بالمستقبل، وبحتمية التقدم، وسيادة قيم العصر، استطاع أن يذلل الكثير من العقبات، ويتخطّى الكثير من الحفر والمطبات، التي أراد معارضو نشاطات هذه الأندية أن يوقعوا الأندية الأدبية فيها.
وهناك ايجابية ثالثة لهذه الأندية، ربما غفل عنها الكثيرون، وهي أن هذه الأندية الأدبية منذ 35 عاماً حتى الآن، وهي تؤسس بصمت وعمل دؤوب لعنصر آخر من عناصر المجتمع المدني السعودي (العنصر الآخر هو المجتمع التجاري حسب آدم سميث). بل ربما كانت هذه الأندية المنتشرة في معظم أنحاء المملكة المترامية الأطراف الفعاليات الفريدة، التي دمجت الثقافي في الاجتماعي، وتابعت الحِراك الثقافي الاجتماعي في العالم العربي.
الاستفادة من فرص انفتاح الآفاق
لا يحتمل هذا المقال - بمساحته المحدودة - ذكر أبرز النشاطات التي قامت بها الأندية الثقافية في المملكة، والتي بلغ عددها حتى الآن 16 نادياً أدبياً، منذ أن تأسست أولاً في مكة المكرمة، والرياض، وجدة، والطائف، عام 1975؛ أي منذ حوالي 35 عاماً. إلا أننا لا نغفل حقيقة أن هذه الأندية قد نشرت الكثير من الكتب المهمة لباحثين ومفكرين ونقاد سعوديين، كما أقامت عشرات الأمسيات، والندوات، واللقاءات الثقافية التي طبعت الثقافة السعودية بطابعها الذي غالباً ما كان حداثياً وطليعياً، وساهمت في الحراك الثقافي السعودي في وقت - وخاصة بعد 1991- كانت فيه الصحافة السعودية، تعاني من ضيق الأنفاس.
ولكن، مع عهد السعودية الجديدة، والإصلاحات المختلفة التي تمَّت منذ سنوات، وانفتاح الآفاق، وزيادة هامش الحرية في الصحافة السعودية، بدأت الأندية الأدبية هي الأخرى تستفيد من فرصة انفتاح الآفاق، وزيادة هامش حرية التعبير الذي تتمتع به عموم الصحافة السعودية الآن.
تفجير الإبداعات بدلاً من تفجير البشر
فقرأنا عن كثير من النشاطات الجديدة والجريئة لبعض الأندية السعودية، ومنها ما قام به نادي المنطقة الشرقية الأدبي، من خطوة ثقافية شجاعة، تمثلت في تنظيم مسابقة الأفلام السعودية القصيرة، التي أنتجها وأخرجها وشارك في التمثيل فيها شباب سعوديون، رفضوا إغراءات كثيرة للانضمام إلى قوافل الموت والإرهاب، وفضلوا العمل الإبداعي الثقافي الفني المتمثل بالإنتاج السينمائي ضمن مسابقة الأفلام التي ينظمها نادي المنطقة الشرقية الثقافي بمشاركة فرع جمعية الثقافة والفنون في الدمام. وهي ليست المسابقة الأولى، ولكنها المسابقة الثانية، التي تقام في عهد الانفتاح الثقافي. وبهذا، استطاع النادي أن يجذب إليها مجموعات من الشباب، لم يسبق لها أن زارت النادي، أو دخلت أية مؤسسة ثقافية أخرى. وفي رأيي أن مثل هذه النشاطات الثقافية الراقية – مع الزمن والجهد المتواصل – خير علاج للقضاء على ظاهرة الإرهاب، ولجوء الشباب إلى المنظمات الإرهابية. ففي مثل هذه الأندية يتم التفكير لا التكفير، وتتحول طاقات الشباب إلى أدوات لتفجير الإبداعات في الحياة، بدلاً من تفجير أنفسهم والآخرين.
أما نادي جازان الأدبي، وهو أحدث ناد ثقافي في المملكة، فقد استطاع في الفترة الأخيرة أن يجذب الانتباه بقوة، وإلى منطقة في أقصى الجنوب الغربي السعودي، التي قلما كانت جاذبة للاهتمام. فأقام النادي الملتقى الشعري الثالث، تحت عنوان الخطاب الشعري المعاصر في المملكة. والمهم في هذا الملتقى، ليس بموضوعه وإنما بغزارة وكثافة وعمق الدراسات النقدية والأمسيات الشعرية والمداخلات التي تمت فيه، وإسهام عدد كبير من الشعراء والنقاد البارزين في كل هذه الأنشطة الخاصة بالملتقى.
الأندية وسيلة فعّالة للحوار الوطني الثقافي
ولكن علينا أن نعترف، أن الأندية الأدبية بما هي وسيلة كبيرة وممتازة للحوار الوطني الثقافي والاجتماعي، من الواجب الوطني أن نهتم بها، وندعمها مالياً ومعنوياً، لكي نساعدها في النهوض مما تعاني منه، من صعوبات في توسيع نشاطها وحراكها الثقافي والاجتماعي، وهو ما صرح به مؤخراً الدكتور عبدالمحسن القحطاني رئيس نادي جدة الأدبي الذي قال لصحيفة الشرق الأوسط إن الأندية الأدبية تسعى لكي تلم بالمشهد الثقافي من جميع جوانبه، والنشاطات المنبرية جزء من مكونات هذا المشهد. والملتقيات والمهرجانات والمسابقات، التي تنظمها بعض الأندية، والتي يحضرها متخصصون، يمكن أن تثري هذا المشهد، وتعمّقه، وتؤسس لخطاب ثقافي أشمل. والأندية الأدبية تحاول أن تتبنى المناشط الثقافية كافة، لكنها تحتاج إلى إمكانيات مكانية حتى تقدم هذه الفنون، والأشكال الثقافية، بما يحقق الهدف من تنظيمها، وهي تواجه صعوبة كبيرة في هذا الجانب نظراً لقلة الإمكانات التي تقدم لها. فكيف نبخل على وسيلة ثقافية فعّالة في تعميق الحوار الوطني، وفي إقامة دعائم المجتمع المدني، بعد كل هذه الجهود، في إقامة 16 نادياً أدبياً، منذ 35 سنة؟