ربط العلم بالإنتاج كفيل بتحرير التعليم العربي من شكلانيته ونقله إلى سياق المعرفة الإبداعية المنافسة في السوق. بمعنى أن الخريج لن يُعدّ ليشغل وظيفة تنفيذية محددة سلفا، بل سيعد ليكون قادرا على فتح آفاق جديدة
قمنا ـ في المقالات السابقة ـ بفحص أزمة العلم من منظور علم اجتماع العلوم، أي فحص أزمة العلم العربي باعتبار أن العلم مؤسسة مرتبطة بشبكة من العلاقات مع مؤسسات أخرى. داخل شبكة العلاقات ومن منظور السلطة يمكن لنا فحص أزمة العلوم من منظور أوسع وأشمل يخرج العلم من كونه معرفة طبيعية إلى سلوك اجتماعي وفعل واقعي مرتبط مباشرة بمعادلة الحرية والسلطة. بقي لنا هنا الحديث عن العلم وعلاقته بالمؤسسة التعليمية العربية.
من المهم هنا التأكيد على أننا ننظر للمدارس والجامعات باعتبارها مؤسسات اجتماعية، كما أننا نستحضر النظرية النقدية التي ترى أن المؤسسات العلمية هي بيئة اجتماعية تتجسد فيها كل القضايا الفكرية والإيديولوجية والطبقية والتنظيمية في المجتمع الخارجي. بمعنى أن المدرسة هي معبّر مركّز عما في الخارج. وإذا تذكّرنا أن النظام التعليمي هو نظام تخطط له وتنفذه القوى المختلفة، فإن حديثنا عن النظام التعليمي في الدول العربية سيكون من قبيل تحصيل الحاصل، ولكن البحث التفصيلي في الجانب التعليمي مهم جدا. فمن مشاكل تعليم المعرفة العلمية أنها تقدم بشكل شكلي دون وعي بقيمتها الحقيقية، فهي تدرّس باعتبارها مادة مفروضة لا أكثر، ولذا فمن غير المستغرب أن تقدم المعرفة العلمية بطريقة تقليدية خارج المنهج العلمي. فالمادة العلمية تقدم كما تقدم المادة الفقهية أو الشعرية وغيرها.. عبارة عن تلقين يطلب حياله الحفظ والترديد، ولذا نجد أن التعليم للمواد العلمية يقدم بطريقة نصوصية تفتقد لروح الشك والتساؤل التي تمثل جوهر التفكير العلمي الحقيقي.
من جهة أخرى، في حالة العلوم التطبيقية، فإن المدرسة العربية حتى في الدول ذات الإنفاق الأعلى تفتقد المختبر المجهّز، ولو بشكل أولي لممارسة التجريب العلمي الذي يمكن أن يعتق التعليم العلمي من ربقة التلقين المدرسي البدائي. ذات الكلام ينسحب على الجامعات التي تعاني ذات الإشكال، فالمشكلة هنا مركبة.. عدد كبير من الطلاب في بيئة غير مناسبة، وأساتذة محبطون ضمن إهمال سياسي واجتماعي وثقافي عميق. هذه النظرة تؤكدها تقارير التنمية البشرية المتتالية وبالأرقام والإحصائيات، وليس هناك مبرر للتغافل عن هذه الحقائق، ولكن المشكلة تكمن أساسا في أن الوعي بأهمية الفكر العلمي لم يتحقق بعد في هذا الجو المفعم بالأمية المقصودة.
ومن الملاحظ أيضا أن التعليم الحالي ليس فقط لا يقدم معرفة علمية، بل هو يؤسس وبشكل منظم للعكس.. لكل أنواع التفكير اللاعقلانية. المعرفة التي تقدم للطالب تؤسس في عقله لقبول التناقضات وكل أشكال عدم التبرير العقلاني. إنها ليست فقط معرفة لا علمية، بل هي ضد علمية بالدرجة الأولى. لا يقتصر هذا الأمر على مواد معينة، الأحداث التاريخية مثلا في مادة التاريخ لا تقدم على أنها أحداث واقعية، هناك تبرير عقلاني وواقعي لها، بل الأحداث تسير فيها بشكل خارق للعادة وبتدخل قوى غيبية دائما، مما يفقد الطالب القدرة على الربط العقلي بين الأحداث والنتائج، وهذا بالتأكيد إفساد للقاعدة العقلية الأولى، وهي السببية.
مما سبق يتبين لنا أن مشكلة العلم في الثقافة العربية، هي إشكالية ـ في الحقيقة ـ مرتبطة بكل جوانب الحياة وتنظيماتها السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية. والواقع يقول لنا إن العلم لا يتقدم ويبدع إلا في ظل أنظمة فكرية واقتصادية واجتماعية وتعليمية متطورة ومتعافية. نظام الفكر العربي المسيطر حتى الآن يمثل عقبة في وجه التفكير العلمي، فهو لا يزال يعيش في مرحلة ما قبل التفكير العلمي، المرحلة التي تسيطر فيها الأساطير والشعوذات والغيبيات على كل التفكير.
هذا النظام الفكري يتجسد في الواقع من خلال عدد من المؤسسات الاجتماعية، ويتمثل في سلوك الناس. فحص عمل هذه المؤسسات والأنظمة الفكرية هو محل بحث هذه القضية. وبرأيي أن نظام الفكر العربي يحتاج اليوم إلى عملية نقد وفحص عميقة جدا، هي التي يمكن أن تفتح نوافذه للنور وتعيد له الحياة والحركة. هذا البحث من الضروري أن يكون بأدوات ومفاهيم الفكر البشري الحديث والمتطور.. الفكر الذي أنتج العلم وتمثله وأصبح يشكل الحياة وطرق العيش وأنظمة الحياة من خلاله. الفرصة المواتية اليوم لعدد من المجتمعات العربية لبدء تجربة ديموقراطية حقيقية، يمكن ـ إذا تحققت ـ أن توفر مناخا مناسبا لنمو المعرفة العلمية. التجربة الديموقراطية توفر في جوهرها ربط القرارات بالتداول والحوار ومحاولة الإقناع، مما يحفّز الناس على التسلح بالعلم لكسب الرهانات. كما أن التجربة الديموقراطية ستساعد على ربط الفكر بالإنتاج والسوق العام، مما يجعل من الإنجاز العلمي عملا مربحا وتسويقيا ومقنعا للجميع. ربط العلم بالإنتاج كفيل أيضا بتحرير التعليم العربي من شكلانيته ونقله بالضرورة وبسبب طلب السوق إلى سياق المعرفة الإبداعية المنافسة في السوق. بمعنى أن الخريج لن يُعدّ ليشغل وظيفة تنفيذية محددة سلفا، بل سيعد ليكون قادرا على فتح آفاق جديدة. الخريج بهذه المواصفات سيكون هو العملة الرابحة، وستكون أسهمه هي العليا، بدلا من الوضع الحالي المحبط تحت عبارة: لا نريد إبداعا، لأننا لا ننتج ما هو جديد، نريد منفّذين لا أكثر. أيضا الديموقراطية كفيلة بتحرير المؤسسة العلمية، أي باختصار ستحرر العلم من اللا علمية.