قبل عام كنت أتناول وجبة السحور في شهر رمضان في أحد أكبر فنادق مدينة جدة ولاحظت عند خروجي من المطعم وقت أذان الفجر أن عمالة المطعم تحمل أكياسا سوداء كبيرة وتقوم بجمع كل المأكولات الموجودة في ذلك البوفيه المفتوح والضخم
قبل عام كنت أتناول وجبة السحور في شهر رمضان في أحد أكبر فنادق مدينة جدة ولاحظت عند خروجي من المطعم وقت أذان الفجر أن عمالة المطعم تحمل أكياسا سوداء كبيرة وتقوم بجمع كل المأكولات الموجودة في ذلك البوفيه المفتوح والضخم، والتي للتو كنا نغرف منها ونأكلها لترميها في تلك الأكياس بما فيها عشرات الأصناف من الكعك والحلويات والفواكه الطازجة، فأزعجني المنظر كونها نعمة قد منّ الله علينا بها فلماذا نرميها وهي نظيفة تماما ومعدة في مطاعم خاصة بفنادق خمسة نجوم؟ فجاءت الإجابة أن ما رأيته هو إجراء وقائي متبع في كل الفنادق والمطاعم التي تحترم مرتاديها وتخشى على سمعتها، فالتعليمات المعمول بها في مثل تلك الأماكن تمنع إعادة تخزين أي أطعمة لتقدم من جديد للزبائن خوفا من التسمم أو ظهور الأكل بشكل غير لائق وبالتالي يؤثر على سمعة ذلك الفندق أو المطعم.
دارت الأيام وما انفككت أروي ما شاهدت في ذلك الفندق لكثير من الأصدقاء والزملاء والأقارب كلما جاء ذكر شيء له علاقة بذلك الموضوع، مثل ما يثار في هذه الأيام وما ينشر من أخبار صحفية عن إغلاق مطاعم مشهورة وغير مشهورة بسبب حدوث حالات تسمم جراء إعادة تخزين الطعام ومن ثم تسخينه من جديد وتقديمه للزبائن على أنه طازج.
ويوم الأربعاء الماضي وقفت على عمل جبار أثلج صدري كونه أزال عني حالة الانزعاج التي ظلت تحاصرني طوال تلك الفترة، والمتمثلة في رمي نعمة الله في الزبالة دون أن تستثمر بشكل أو بآخر، فقد اطلعت على عمل غير تقليدي، عمل عنوانه الجودة والنظافة والأمانة، وشعاره (حفظ النعمة), قائم على الاحتساب لا على المنّ أو إحراج المستفيد، التجربة الجميلة بدأت من حيث انتهى الآخرون، والقائمون عليها حرصوا على الاستفادة من كل التجارب المماثلة القريبة والبعيدة.
تلك التجربة الفريدة والنموذجية خاصة بالجمعية الخيرية للطعام (إطعام) التي يقف عليها مجموعة من رجال الأعمال في المنطقة الشرقية من المشهود لهم حب الخير والمشاركة في العديد من برامج المسؤولية الاجتماعية بعيدا عن الادعاء والمفاخرة القائمة على الترويج للذات على حساب الفكرة وأهدافها.
في (إطعام) هناك عمل غير تقليدي، يصنف على أنه عمل من نوع خمسة أو سبعة نجوم، يقوم على الاستفادة من الطعام غير المستخدم تماما، شرط أن يتفق مع معايير الجمعية المشددة خاصة في الجانب الصحي، ويتم تغليفه وحفظه بطرق علمية وبأياد متخصصة ومدربة، وعبر وسائل تضمن الجودة والسلامة وتهتم بأدق التفاصيل بما في ذلك حجم وشكل العلبة التي يوضع فيها الطعام، ومن ثم يوزع بآلية يحيطها الذوق و(الذرابة) التي تليق بمن هم بحاجة إلى هذا الطعام دون ضجة ودون مس بكرامتهم أو آدميتهم.
العمل الذي تقوم به (إطعام) يستحق أن يلقى الضوء عليه بشكل أوسع وبتفاصيل أشمل لتعمم مثل هذه الفكرة الخلاقة، ولنتجاوز تلك التجارب التي تقوم عليها بعض الجمعيات الخيرية التي فيها من الارتجال والاجتهاد غير الموفق الذي لا يتناسب مع قيمنا ومبادئنا الإسلامية قبل الإنسانية.