تتحدى الأحداث في سورية قدرة الضمير الإنساني على التحمل، ولكن العالم يبدو مشلولا حيالها، بسبب الفيتو الروسي والصيني في مجلس الأمن. ولكن هناك ما يمكن القيام به لوقف المذابح التي أصبحت ترتكب يوميا؟
في يوم الخميس الماضي (1 مارس 2012)، أدان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، في جنيف، النظام السوري بسبب ارتكابه انتهاكات خطيرة وواسعة ضد المدنيين. وكشهادة على الإجماع الدولي بهذا الشأن، صوّت (37) لصالح القرار، ولم يصوت ضده سوى روسيا والصين وكوبا. وطالب القرار الحكومة السورية بالوقف الفوري لجميع الاعتداءات على المدنيين، والسماح لمؤسسات الإغاثة بأداء عملها دون تأخير.
وبالإضافة إلى قرار مجلس حقوق الإنسان يوم الخميس، هناك تقرير اللجنة الخاصة التي شكلتها هيئة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في سورية، الذي رفعته في 22 فبراير 2012 ووثقت فيه انتهاكات حقوق الإنسان، وأثبتت ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وأوردت أسماء (38) مسؤولا سوريا اعتبرتهم ضالعين في تلك الجرائم.
وخلال اجتماع يوم الخميس، أبلغت السيدة نافي بيلاي، المندوبة السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، المجلس بأنها ترى إحالة ملف سورية إلى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي للتحقيق في الجرائم ضد الإنسانية التي تم توثيقها.
وفي اليوم نفسه، أصدر مجلس الأمن في نيويورك بيانا عن سورية، للمرة الأولى منذ أشهر، يندد بتدهور الأوضاع الإنسانية في سورية، ويطالب الحكومة بالسماح لمساعدة الأمين العام للشؤون الإنسانية، فاليري أيموس، بالدخول إلى سورية فورا ودون عوائق. وبدأت في الوقت نفسه مشاورات حول مشروع قرار جديد في مجلس الأمن، وإن كان الفيتو الروسي ـ الصيني ما زال يلوح في أفق تلك المشاورات.
ومما يصعب تصديقه، ولكنه حقيقة، أن الحكومة السورية رفضت السماح للصليب الأحمر الدولي بتقديم المساعدة أو الحماية للمدنيين في حمص، سوى أنه سمحت له بإخلاء الصحفيين الغربيين الذين كانوا محتجزين في المدينة، وإخلاء جثث الصحفيين الغربيين الآخرين الذين قُتلوا هناك.
ومن وجهة نظر النظام السوري، فإن الأمور هناك تحت السيطرة، وعلى العالم أن يحترم سيادته على شعبه، إذ يُفسّر السيادة بأنها تعني الحرية في أن يعمل ما يشاء للقضاء على الانتفاضة، بصرف النظر عن كم من المواثيق والأعراف الدولية يتنهكها خلال سحق تلك الانتفاضة.
فماذا يمكن للمجتمع الدولي أن يفعل لحماية المدنيين أمام فشل النظام في حمايتهم ورفضه أي محاولة دولية لتقديم الحماية والدعم لهم، خاصة أن الحكومة تبدو الطرف الأساسي الذي يهدد أمنهم وسلامتهم؟
ثمة مبدأ مهم في العمل الدولي هو مسؤولية الحماية، وهو مبدأ لو تم تفعيله لساعد على بلورة العمل الدولي المشترك. وقد تطور هذا المبدأ على مدى العقد الماضي في نظرية وتطبيق القانون الدولي الإنساني، وهو مبدأ يرتكز على حقيقة أن السيادة ليست مطلقة بل تحكمها مبادئ وأعراف أخرى لا تقل أهمية. ووفقا لهذا المبدأ، فإن ثمة جرائم ذات صفة دولية، تجعل من ارتكابها انتهاكا وتحديا للنظام الدولي قانونيا وأخلاقيا، وتُسمّى بـجرائم الفظائع الجماعية وتشمل الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، والإبادة الجماعية، والتطهير العرقي. ويتبع ذلك أن ثمة مسؤولية دولية مشتركة لحماية المدنيين من هذه الجرائم على وجه الخصوص، وكما أسلفتُ فإن ثمة أدلة مقنعة على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في سورية.
ووفقا لهذا المبدأ، فإن الدولة المعنية هي المسؤولة الأولى والأساسية عن حماية سكانها من الجرائم ضد الإنسانية، التي أشرتُ إليها، وعلى المجتمع الدولي مسؤولية مشتركة لمساعدة الدولة وتمكينها من توفير تلك الحماية لو كانت غير قادرة على القيام بذلك بمفردها. ولكن لو فشلت الدولة في حماية سكانها من تلك الجرائم، فإن المسؤولية لتقديم الحماية تؤول للمجتمع الدولي، وفي حال لم يتمكن المجتمع الدولي من تحقيق ذلك دون تدخل، فإن مسؤوليته تتطلب التدخل لتوفير تلك الحماية للمدنيين من تلك الجرائم.
وفي حين إن التدخل العسكري يجب أن يكون الملاذ الأخير، فإن ثمة وسائل أخرى من الممكن، بل من الواجب، استخدامها، دون موافقة الدولة المعنية إن لزم الأمر، يأتي في مقدمتها توفير الحماية للمدنيين وتقديم المساعدات الإنسانية.
وفي واقع الأمر، فإن أكثر ماهو مُلحٌّ اليوم في سورية هو توفير المساعدات الإنسانية التي تنص عليها اتفاقيات وبروتوكولات جنيف، والتي تُعتبر منظمة الصليب الأحمر الدولي السلطة الرئيسية المخولة بتنفيذها. وهذه المنظمة هي المسوؤلة عن تقديم المساعدات الإنسانية، وتوفير الحماية للمدنيين إن لزم الأمر، في حالات مثل الوضع في سورية حيث الدولة لا تستطيع تقديمها، بل هي الطرف الأساس الذي أدى إلى تدهور الأوضاع الإنسانية هناك. ومن المعروف أن سورية، مثل بقية دول العالم، هي طرف في اتفاقيات جنيف وملزمة بتنفيذها، ولهذا ذكرت آنفا أن مما يصعب تصديقه أن تمنع سورية المنظمة من العمل بحرية في أداء واجبها الإنساني في حمص وغيرها من المناطق المنكوبة، ذلك أن عدم السماح للصليب الأحمر بأداء مهامه يُعتبر إخلالا جسيما بالتزامات سورية نحو المجتمع الدولي، ومؤشرا خطيرا على عدم رغبتها في كشف الممارسات التي تجري داخل سورية.
ولذلك وإذا كان المجتمع الدولي يبدو مترددا في اتخاذ خطوات حاسمة لحماية المدنيين في سورية، فإنه وكحد أدنى يجب أن يصر، من خلال مجلس الأمن أو بدونه، على السماح للجنة الدولية للصليب الأحمر بالعمل في سورية وأداء مهامها التي تحددها اتفاقيات جنيف في تقديم المساعدات الإنسانية والحماية للمدنيين، وهذه هي الأولوية الأساسية.