على شارع الكورنيش الشمالي لمدينة جدة، وبعد الثانية منتصف الليل، يضبط عقرب (الثواني) في ساعتي مرور إحدى عشرة سيارة في الاتجاه الواحد في الدقيقة الواحدة.
على شارع الكورنيش الشمالي لمدينة جدة، وبعد الثانية منتصف الليل، يضبط عقرب (الثواني) في ساعتي مرور إحدى عشرة سيارة في الاتجاه الواحد في الدقيقة الواحدة. تسع سيارات في ظرف دقيقة حين أعدت الحساب بعد بضع دقائق. في هذا الهزيع الأخير من الليل، ماذا تعني هذه الزحمة، وإلى ماذا تشير هذه الظاهرة. عشر سيارات في الدقيقة تعني أن بيننا 600 أسرة في الساعة الواحدة لا تعلم عن أبنائها، وربما بيننا 600 أسرة لا تعرف ماذا يعمل رب الأسرة في مطلع الفجر بكل ما للحالتين من كوارث اجتماعية.
لماذا وعلى أي شيء يكون هذا الازدحام مع مطلع الفجر؟ نحن لسنا في لاس فيجاس حتى نقول إن هؤلاء خارجون من المقاهي والحانات الليلية ولسنا في كيوتو اليابانية حتى نقول إنهم خارجون بهذه الآلاف من وردية ليلية في مصانع السيارات والأجهزة. باختصار شديد: ما الذي سمح بهذه الصرمعة لآلاف الشباب كي يكون الشارع هو السبات على مطلع الفجر.
السبب لأننا نهيئ كل شيء لأن يكون هؤلاء الآلاف بلا أي قيمة فعلية للإنتاج. السبب لأننا نشاز في نظام العمل بين كل مدن الكون. حتى مطعم الحنيذ وفتحة المضغوط مفتوحة للزبون عند الثالثة مطلع الفجر. كشك المقهى يناوب على مدار الساعة وكأن الكابتشينو عقار صيدلاني في أقصى الضرورة. ولست مبالغا إن قلت إن ربع العمالة المستقدمة تعمل في كل مدننا من أجل أن تكون هذه المدن سهرة ليلية مفتوحة. نحن بهذا لا نعدم حياة آلاف الشباب واستقرار آلاف الأزواج والأسر فحسب، بل نعدم قدرة المواطن على أن يكون قيمة وطنية منتجة وأكثر من هذا نعدم قدرة – التوطين والسعودة – على المنافسة في سوق العمل طالما أنه سوق بدوام مفتوح على مدار الساعة. وفيما شاهدت من مدن الكون فإن قلب شيكاغو للأشباح وسيارات الأمن في منتصف الليل. شارع نيفث أفنيو في نيويورك يقفل عند السادسة مساء رغم أنه عصب التجارة الأميركية. مثله أيضا أكسفورد اللندني. إنه نظام العمل الصارم وإلا فما حاجتنا للمقهى والبوفيه على مدار الساعة. كنت سأواصل الشواهد لولا أنني خشيت أن تسألوني: ولم حتى أنت سهران بعد الثانية!!!