على غير العادة المتبعة في الاحتفالات الخاصة بوضع حجر الأساس للمشاريع أو تدشينها، والتي يغلب عليها طابع الفرح والابتهاج وكلمات الثناء والشكر، لفت نظري في الحفل الذي أقامته الشؤون الصحية بمنطقة الجوف يوم الأربعاء الماضي والذي حضره أمير المنطقة ووزير الصحة أن الوقت المتاح للكلمات الخاصة بتلك المناسبة كان قصيرا، بينما خصص باقي الوقت الذي استغرق ما يقارب الساعة لسكان منطقة الجوف لمواجهة وفد مسؤولي وزارة الصحة المكون من وزير الصحة ونوابه ووكلاء الوزارة والقيادات في الشؤون الصحية بالمنطقة عبر طرح ملاحظاتهم وانتقاداتهم ومطالبهم واستفساراتهم، وكان واضحا من مضمون الأسئلة أن ذلك الحضور الكثيف للسكان يمثل معظم مدن ومراكز وقرى المنطقة.
كانت فكرة المواجهة على الهواء مباشرة بين المواطنين والوزارة بحضور الأمير ووسائل الإعلام فكرة جريئة ومثيرة وجميلة، وقد أدركت أن العبارة التي دأب الدكتور عبدالله الربيعة على ترديدها كثيرا والمتمثلة في أن وزارته شفافة مع الجميع وليس لديها ما تخفيه عن الناس كانت واقعا مطبقا في تلك المناسبة. وقد لاحظت أن الفرصة أتيحت للجميع للتعبير عن آرائهم في وزارة الصحة وخدماتها، بل وللتعبير أيضا عن ملاحظاتهم الخاصة بالوزير نفسه وبمدير الشؤون الصحية بالجوف. وكان الأجمل من ذلك أن ردود مسؤولي الوزارة لم تكن أيضا من النمط الذي اعتدنا عليه، والقائم على النفي والدفاع عن النفس أو التنظير واللف والدوران أو ما يسمى بالإجابات الدبلوماسية، بل كانت الأرقام حاضرة والشواهد بارزة والاعتراف بجوانب القصور والخطوات المتخذة لتلافيها معلنة.
كان الانطباع عندي، وأنا أشاهد تلك الأسئلة الموجهة للوزير وفريقه مع تواجد كاميرات التلفزيون وبقية وسائل الإعلام، أن الوزير أعطى الضوء الأخضر لسكان منطقة الجوف لمواجهته على الملأ بما يشبه المحاكمة لثقته بوزارته وبالعمل الذي هو وفريقه يقومون به في المرحلة الحالية، ولإيمانه بأن هناك تغييرا في وزارة الصحة يمكن الرهان عليه ويمكن تلمسه قريبا عند اكتمال تلك المشاريع الضخمة الجاري تنفيذها في كل مناطق المملكة، بالإضافة لخطوات ومبادرات أخرى يجري تطبيقها تستهدف عددا من اللوائح والأنظمة والإجراءات التي تضمن القضاء على أبرز السلبيات والمآخذ التي ظلت مرادفة لاسم وزارة الصحة لأكثر من ربع قرن مضى، ولهذا كانت تلك المواجهة رائعة، وكانت أسئلة المواطنين مشروعة، وكانت إجابات الوزير وفريقه موضوعية وخالية من التسويف القائم على التهرب من المواجهة، وبعيدة عن الردود غير المقنعة، ومتفهمة لكل الأسئلة والمطالب، بغض النظر عن طريقة طرحها أو دقة مضمونها أو قوتها وجرأتها.
بودي أن تكون مثل هذه المواجهة الاختيارية التي انتهجتها وزارة الصحة نموذجا للكثير من الوزارات والقطاعات، لأنها تعبر عن لغة حوار حضارية فيها هامش كبير من حرية التعبير بوجود أصحاب القرار وأمام الرأي العام والإعلام، وتضع الكثير من الحروف على النقاط وتقضي على الإشاعات والمغالطات وتعزز من المصداقية بين المسؤول والمواطن.