يستهلك المواطن السعودي 40 برميلا من النفط سنويا، وهو أعلى معدل في العالم، يساوي أربعة أضعاف المعدل الأميركي، وثمانية أضعاف المعدل الياباني. ولو استمرت معدلات استهلاكنا الحالية فإننا سنستنفد مواردنا الطبيعية سريعا، ونحرم الأجيال القادمة من حقها

نعرف أن المملكة العربية السعودية هي أكبر مُصدّر للنفط في العالم، ولكن هل تعلم أننا أكبر مستهلك له كذلك؟ فعلى الرغم من أن الاقتصاد السعودي ليس اقتصاداً صناعياً بالمعنى المعروف، إلا أن معدل استهلاك الفرد من النفط في المملكة هو الأعلى عالمياً، حسب بيانات وكالة الطاقة الدولية. فوفقاً لتلك الإحصاءات، تستهلك المملكة ما يعادل 3 ملايين برميل يومياً، أو ما يساوي حوالي مليار برميل سنوياً.
ولو قسّمتَ هذا الرقم على عدد سكان المملكة البالغ (27) مليوناً لكان معدل استهلاك الفرد نحو (40) برميلا من النفط سنويا، وهو أعلى معدل في العالم. ولكي نضع ذلك في السياق العالمي، فإن معدل استهلاك الفرد من النفط في المملكة يساوي أربعة أضعاف معدل استهلاك الفرد في الولايات المتحدة الأميركية، وخمسة أضعاف ذلك المعدل في كوريا الجنوبية، وثمانية أضعاف معدل استهلاك الفرد من النفط في اليابان! وكل هذه الدول، كما تعرف، صناعية بالدرجة الأولى.
ومما يبعث على المزيد من القلق أن معدل استهلاك الفرد من النفط في الدول الصناعية في انخفاض مستمر، في حين أن استهلاكنا من النفط في ازدياد متسارع. ففي الولايات المتحدة، وهي الدولة التي كانت تُنتقد بسبب تبذيرها في استهلاك البترول، انخفض معدل استهلاك النفط بنسبة 15% خلال فترة وجيزة، من نحو (11) برميلا من النفط للفرد في عام 2005، إلى أقل من (9.5) براميل العام الماضي. وفي اليابان، انخفض معدل استهلاك الفرد خلال العقد الماضي من نحو (7) براميل للفرد في العام، إلى (5) براميل للفرد، أي يمعدل انخفاض بلغ 25%.
وفي المقابل، فإن استهلاك الفرد من النفط في المملكة قفز من نحو (30) برميلاً في العام إلى (40) برميلاً، أي بزيادة 33% خلال العقد الماضي. وحسب بعض التقديرات، فإن معدل النمو السنوي في استهلاك النفط في المملكة تجاوز 5% مؤخراً. ولذلك، فإنه إن استمرت زيادة الاستهلاك حسب المعدلات الحالية فإن بعض الخبراء يتوقعون أن يتجاوز الاستهلاك المحلي من البترول 7 ملايين برميل في اليوم بحلول عام 2030م! فكم سنستطيع أن نصدر من النفط لو حدث ذلك؟
وقد اعتمدتُ على بيانات وكالة الطاقة الدولية للقيام بهذه الحسابات لكي نتمكن من مقارنة معدلات الاستهلاك. وإنْ كانت الأرقام المحلية تختلف بعض الشيء لكنها تشير إلى الحقائق نفسها: نحن أكثر من يستهلك النفط في العالم، أكثر من الدول الصناعية فضلاً عن غير الصناعية. والحقيقة الثانية هي أن معدلات استهلاكنا من النفط في ازدياد في حين أن معدلات استهلاك الدول الصناعية في انخفاض.
وقد تسأل: ثم ماذا؟ ولماذا يجب أن يُقلقنا ذلك؟ الحقيقة هي أنه يجب أن يقلقنا كل القلق: فكل برميل نفط نستهلكه محلياً يحرمنا من الدخل الذي كان يُمكن تحصيله من تصدير ذلك البرميل. وبحسبة بسيطة، ونظراً إلى أننا نستهلك نحو بليون برميل من النفط سنوياً، حسب إحصاءات وكالة الطاقة الدولية، فإن الخسارة للاقتصاد المحلي تساوي نحو (125) بليون دولار سنوياً، باعتبار السعر العالمي لبرميل النفط يتجاوز (125) دولارا هذه الأيام (سعر برنت)، أو ما يعادل (469) مليار ريال سنوياً.
وبالطبع لا يمكن الاستغناء عن استهلاك البترول نهائياً، ولكن لو كان معدل استهلاكنا للنفط يساوي المعدل الياباني، على سبيل المثال، فإننا نستطيع أن نعيش بمستوى الفرد الياباني (في استخدام الطاقة)، ويمكننا في الوقت نفسه توفير ما قيمته (110) مليارات دولار في عام 2012 وحده، أو(412) مليار ريال!
وهذه الخسارة للاقتصاد الوطني ليست خسارة لميزان المدفوعات فقط والناتج المحلي الإجمالي، بل هي خسارة للميزانية العامة أيضاً، نظراً إلى أن تلك الميزانية تعتمد اعتماداً رئيساً على بيع النفط. وهذا النزيف السنوي من مواردنا الطبيعية يعادل نحو ثلثي مخصصات الميزانية في عام 2012، ويتجاوز في حجمه ضعفي مخصصات التعليم لهذا العام، وخمسة أضعاف مخصصات الصحة.
والأسوأ من ذلك هو أن استهلاك النفط بهذه المعدلات لا يزيد من رفاه المواطن أو يرفع من مستوى معيشته، بل على العكس من ذلك، فهو يزيد من معدلات التلوث التي جعلت من الهواء الذي نتنفسه مزيجاً ساماً يزداد سوءاً عاماً بعد عام، ويعصف بصحة الأطفال والكبار على حد سواء، ولعلها ليست مُصادفةً أن أمراض الجهاز التنفسي في ازدياد وأن تخصص علاج تلك الأمراض أصبح أكثر التخصصات شيوعاً في مستشفياتنا.
لربما اعتقد البعض أن توفر النفط بأسعار منخفضة نعمة، ولكنه في الواقع مأساة توشك على الوقوع. فلو استمرت معدلات استهلاكنا الحالية، وحرق النفط دون حساب، فإننا لن نستطيع تصدير كميات تُذكر من النفط، وفوق ذلك فإننا سنحرِم، بشكل سريع جداً، بلادَنا من مواردها الطبيعية التي لن يتم تعويضها أبداً، ونحرم أنفسنا من فرصة حقيقية لتحسين مستوى معيشة المواطن. بل إننا، ونحن نستهلك هذه الثروة الناضبة سنحرم أبناءنا وأحفادنا من هذه الثروة، في الوقت الذي نساهم فيه في زيادة معدلات التلوث والإساءة إلى الصحة العامة.