نظام التعليم العالي وضع مجالس متعددة تبدأ من مجلس الجامعة وتنتهي بمجالس الأقسام في الكليات، ومن إيجابيات هذا التقسيم أنه يساعد على توسيع قاعدة المشاركة في اتخاذ القرارات والمتعلقة بأنشطة وأعمال الجامعات، وذلك من خلال أعضاء هيئة التدريس
المتابع لردود الأفعال حول قضية جامعة الملك خالد، وكذلك تصريحات بعض المسؤولين والأكاديميين وبعض الطلبة والطالبات، يجد أن القضية تتمثل في مواضيع ومحاور متعددة، منها: ما يتعلق بعلاقة أعضاء هيئة التدريس بالطلبة والطالبات والعكس، ومنها ما يتعلق بمنهجية التعليم العالي وفلسفة التدريس في الجامعة، وكذلك فيما يتعلق بالصلاحيات والمسؤوليات لمنسوبي إدارة الجامعة، بالإضافة إلى مشكلة الرقابة والإشراف على الكليات، ومشاكل تتعلق بالخدمات المساندة في الجامعة ككل.
المواضيع السابقة في اعتقادي لا تخص جامعة الملك خالد وحدها بل تمتد إلى كثير من الجامعات والكليات في مختلف مناطق المملكة، وما حدث في كلية التربية والآداب والتغطية الإعلامية لها وتعامل المسؤولين معها، هذه العوامل مجتمعة أدت إلى تسليط الضوء على هذه المواضيع إعلاميا، حيث تساءل الكثير عن دور وزارة التعليم العالي حول هذه القضايا، وعن مشكلة الجامعات بالتحديد!.
صحيح أن كل جامعة تختلف عن الأخرى بحكم استقلاليتها، ولكن حتى نفهم القضية بشكل أوضح، أجد من الضروري في البداية الرجوع إلى مواد نظام مجلس التعليم العالي والجامعات، والذي من خلاله يمكن فهم الهيكلة الإدارية للجامعات، وكيفية الإشراف عليها، ومن ثم نناقش مشاكل التطبيق على أرض الواقع.
فمن خلال مراجعة مواد التنظيم، نجد أن المسؤولية تتركز في وظيفة (عميد الكلية)، حيث تنص المادة (37) من النظام على يتولى العميد إدارة الشؤون العلمية والإدارية والمالية للكلية أو المعهد في حدود هذا النظام ولوائحه، وبعض الجامعات وضعت دليلا تنظيميا تحدد فيه بعض الصلاحيات المطلوبة لوظيفة العميد، وبالرغم من ذلك فإن هذه الصلاحيات غير واضحة ولا تتوازن مع المسؤولية الموضوعة على عاتق العميد، ناهيك عن تداخلها مع صلاحيات مدير الجامعة أو الوكيل، أو صلاحيات مجلس الكلية أو مجالس الأقسام، وبالتالي نجد صراعات أكاديمية بين العميد وأعضاء هيئة التدريس في الكلية، لذا فليس من المستغرب أن نرى سلبية بعض عمداء الكليات تجاه شكاوى الطلبة أو الطلبات من بعض الأساتذة، ففاقد الشيء لا يعطيه.
أما بالنسبة للرقابة والإشراف على الجامعات والكليات، فقد وضع النظام آلية متسلسلة لهذه الرقابة، فمن المعلوم أن كل جامعة تتمتع بشخصية معنوية ذات ذمة مالية تعطيها حق التملك والتصرف، وبالتالي فهي مستقلة وتخضع لإشراف مجلس التعليم العالي في المقام الأول، كما تخضع لإشراف وزارة التعليم العالي، ثم حدد النظام لكل جامعة مجلسا، ولكل كلية أيضا مجلسا، من مهامها الإشراف على أعمال وأنشطة الكليات.
وفي المقابل أيضا حددت نصوص النظام بعض الوسائل الرقابية والتي منها التقارير السنوية والتوصيات والمقترحات التي ترفع إلى كل مجلس حسب الصلاحية، ومنها إلى الوزارة ومن ثم إلى مجلس التعليم العالي، حيث تنص المادة (25) من النظام على: يقدم مدير الجامعة لوزير التعليم العالي تقريرا عن شؤون الجامعة ونواحي نشاطها عن كل سنة دراسية في موعد لا يتجاوز الشهر الرابع من السنة الدراسية التالية لها وذلك طبقا للعناصر التي يضعها مجلس التعليم العالي، ويتم إقرار التقرير من قبل مجلس الجامعة المختص، وعلى وزير التعليم العالي رفع التقرير إلى مجلس التعليم العالي.
وفي الغالب يُكتفى بالتصديق على هذه التقارير أو القرارات التي سبق أن اتخذها مجلس الجامعة أو الكلية، وتزداد المشكلة أكثر تعقيدا في جامعة البنات، وذلك لأن الرقابة تكون في الغالب من وراء حجاب!.
وبناء على ما سبق، فإن هذه التقارير تحتاج إلى إضفاء المصداقية وتحديد إمكانية الاعتماد عليها من قبل جهة مستقلة يحددها مجلس التعليم العالي..هذا من جانب.
ومن جانب آخر هناك غموض يسود التقارير المالية والحسابات الختامية للجامعات، وبالأخص فيما يتعلق بالمخصصات المالية المعتمدة للكليات وكيفية توزيعها، والمعايير التي تعتمد على ذلك، صحيح أن النظام نص على قيام ديوان المراقبة بتدقيق تلك الحسابات، كما نص أيضا على أن يعين مجلس الجامعة مراقبا أو أكثر للحسابات ممن تتوفر فيهم الشروط القانونية، وبالتالي هل هناك مراجع قانوني للحسابات في الجامعات؟، أعتقد أن الأمر يتطلب إعادة النظر في النظام المحاسبي للجامعات عموما وخاصة إذا علمنا أن البعض يشتكي من ضعف الخدمات المساندة مثل المختبرات والأنشطة البحثية وغيرها، والبنية التحتية للجامعة بشكل عام. وعلى كل حال وكما رأينا آنفا، نجد أن نظام التعليم العالي وضع مجالس متعددة تبدأ من مجلس الجامعة وتنتهي بمجالس الأقسام في الكليات، ومن إيجابيات هذا التقسيم أنه يساعد على توسيع قاعدة المشاركة في اتخاذ القرارات والمتعلقة بأنشطة وأعمال الجامعات، وذلك من خلال أعضاء هيئة التدريس، ولكن ما يؤخذ على هذا التقسيم أنه أهمل مشاركة الطلبة والطالبات، وخاصة أنهم يمثلون الهدف الرئيسي من العملية التعليمية في الجامعة. لذا أقترح أن يكون هناك مجلس للطلبة والطالبات في كل جامعة، يقوم على مبدأ الترشيح ويكون على غرار المجالس المحددة في نظام التعليم العالي، فهذه النوعية من المجالس تزيد من الخبرة التنظيمية للطلاب والطالبات عموما، وتحد من التصرفات العفوية، فضلا أنها تعد وسيلة مجدية في التعرف على مشاكل الطلبة وطموحاتهم ناهيك عن فاعليتها في تطوير العملية التعليمية ككل. كما أقترح أيضا أن يعاد النظر في عملية تعيين عمداء الكليات، كما كانت عليه في السابق، حيث كان التعيين يتم بناء على ترشيح من مجلس الكلية، صحيح أنها فشلت في الماضي، وذلك لأسباب اجتماعية وثقافية في ذلك الوقت، ولكنها قد تنجح في الوقت الحاضر، وذلك بسبب زيادة الوعي الاجتماعي والتطورات التي مر بها المجتمع، وأعتقد أن عملية الترشيح سوف تحد كثيرا من مشكلة الصراعات والصدامات الأكاديمية بين العميد وأعضاء هيئة التدريس، ويتحول هذا الصراع نسبيا إلى تعاون وتكامل بين الجميع مما ينعكس في النهاية في مصلحة الطلبة والطالبات.