كشفت حادثة جامعة الملك خالد عن خلل في منظومة التعلم بالجامعات، ذلك أن التعلم 'هو ما يُحدث تغييرا شبه دائم في سلوك الفرد، ولا يمكن ملاحظته مباشرة، ولكن يستدل عليه من أداء الفرد، فينشأ نتيجة الممارسة'

لقد فَزِعْت ودارت بي الدنيا ولم تقعد، عندما قرأت تلك الأحداث التي حدثت في جامعة الملك خالد للبنات بأبها.. في تلك البقعة الغالية أبد الدهر على نفوسنا أينما اتجهنا في شتى بقاع الأرض، نحملها معنا، نقارن، ونطابق، ونقيَّم، ونمحص، فلا نجد لها مثيلاً على وجه الأرض.. أبها ذات الطبيعة، والعرف، والدين، والأخلاق، والشيَّم.
لقد تعلمت في المدرسة الأولى للبنات بأبها، ولذلك فأول ما أطوف حوله وألقي النظر عليه - عندما أزور أبها جوهرة تاج وطني الحبيب – هي المدرسة الأولى للبنات، وكأنما وضعت بالقرب من مستشفى أبها العام إنما ليستشفي القلب هنا ويستشفي الجسد هناك في مكانين متلازمين على غير بعيد، وعندما أذهب إلى القاهرة أول ما أذهب إليه هي أكاديمية الفنون، لأتجول في ردهاتها بمفردي، أرتشف رحيق الذكريات، وأرى بيعنيَّ عالما لا يراه سواي في كلا المكانين، لما ارتشَفَتْه هذه الأماكن من رحيق العمر وزهور الشباب، لذا فالمكان التعليمي والذي نلتقط فيه أثمن جواهر الزمن يجب ألا يتحول إلى ساحة عراك وفوضى وعدم احترام للعلم وقداسة المكان.
كنت أرهب وأعشق مدرّساتي في آن واحد، فالمعلمة والمعلم هما سادنان لهذا الكهف المسحور بعبق المعرفة، ولذا فقد تعلمنا أن ننحني للمعلم وللمعلمة وكأنهما يحملان في كفيهما غلالة النور التي تخطف القلوب والوجدان. تعلمت ألا أُقَبِل إلا رأسين: والديَّ ومعلمتي فقط، فالمعلم هو صاحب الفضل الأول بعد الله في قدح شعلة المعرفة، لكي نكون محسوبين على الزمن، ونكون حرفا واحداً في تاريخ الأمة، إما غير ذلك فيكون سقط المتاع عبر متتاليات الزمن وردهات المجتمع والتاريخ.
لقد كشفت هذه الحادثة عن خلل في منظومة التَعَلُم في المدارس والجامعات، ذلك أن التَعَلُم - كما حدد مفهومه علماء النفس ـ هو ما يُحدث تغييرا شبه دائم في سلوك الفرد ولا يمكن ملاحظته مباشرة، ولكن يستدل عليه من أداء الفرد، فينشأ نتيجة الممارسة، وبالتالي فالمدرسة هي ذلك الكهف الذي نسكنه وتسكننا ماداته، إذ إنه لابد من وجدود القدوة في المدرسة والجامعة، لكي تُكْتَسب خصالها عن طريق الممارسة كسلوك بشري لتهيئة حائط الصد عن تلك الغزوات الفكرية التي بدأت تنضح بها شخصيات غير محسوبة على قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا، والتي نسعى للحفاظ عليها، فالمرأة السعودية بوجه عام والعسيرية بوجه خاص كالأيقونة البراقة لها خصوصية بين نساء العالم، وهذا ما نضح به بحثي في المرأة السعودية ضمن موسوعة (الجزيرة العربية.. أنساب وتقاليد) والذي لم ينشر بعد، فالمرأة في عسير لها كيان خاص وهو مزيج من القوة واللين، عكسه ثوبها الموشى بالقصب والحرير.
إن الثوب العسيري الذي كانت ترتديه جداتنا بما فيه من تداخل الألوان وخيوط القصب والحرير، والمتميز بالضيق والاتساع ما هو إلا انعكاس لهذه الشخصية بما يحويه مكنونها بين الضيق والسعة، ومن قوة متمثلة في اللون الأسود الذي له السيادة على كل الألوان، ثم إن غطاء رأسها مزيج من القوة واللين والذي يعكسه تمازج اللونين بين الأصفر (المنديل) والأسود (الشيلة) أو الشال، وهذا انعكاس لشخصية المرأة لما في سيكولوجية اللون من دلالة، فاللون الأصفر ما هو إلا انعكاس لقوة التفكير، لأنه باعث عليه وعلى الانتباه، ولذلك تضع المرأة العسيرية اللون الأصفر على رأسها.. هذه بعض التفاصيل الشارحة عن شخصية المرأة العسيرية، ولكننا إذا ما رأينا حفيداتها يصدرن أفعالا متواترة ومتوترة وأصواتا متعالية أو انفعالات أو نزاعا محموما بالقلق والتهور فهذا يدل على أن حفيداتها في حالة وهن وضعف وترهل لقوة الشخصية التي يجب أن يرثنها عن جداتهن، إذ إن دائما وأبدا لا يصدر الصوت العالي وردود الأفعال العنيفة إلا من ضعف في الشخصية، أو خوف من شيء ما، كما يقره علم النفس.
إن بناتنا في أبها لابد أن يدركن أنهن من صعيد المملكة، فجنوب البلاد في العالم أجمع هو أماكن مرتفعة على الصعيد الجغرافي، ودائما أبدا منبع ومكمن العادات والتقاليد، ولذلك يطلق عليه صعيد أي المكان المرتفع وللمرأة الصعيدية شأنها في القوة والقدرة والاحترام وهيمنة العقل الراجح.
ومن هنا فلا بد من الاهتمام بالتعليم وإيجاد القدوة داخل المدرسة والجامعة، وعلى رأسها احترام المعلم - فلا تحصيل علميا من أستاذ ومعلم لا أحترمه، لأنه يفقد مصداقيته. لكي نحافظ على شخصية المرأة العسيرية التي أعتبرها مخزن القيم وموطن التقاليد فالمثل الشعبي يقول: (أخذ الحق حرفة).