(الدولة الحديثة) مصطلح ضروري لمن يخلط بينه ومعنى الدولة بمفهوم القرون الوسطى الذي قد لا يملك عملة خاصة، ولا طوابع، ولا قنصليات، ولا عضوية في هيئة الأمم المتحدة، ولا يخضع للقانون الدولي الحديث، ولا يلتزم بالحد الأدنى للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ليصبح التعليم مجانياً في المدارس وإجبارياً في حده الأدنى وفق معطيات تعليمية حديثة، وتصبح الرعاية الطبية ضرورة لأي دولة حديثة في حدودها الدنيا وعلى رأسها (التطعيم)، وكذلك توفير المواصلات، مع وجود الأجهزة الثلاثة (التنفيذية، التشريعية، القضائية).

كل هذه المقدمة الموجزة جدا، ضرورية جداً قبل الدخول في أزمة الدولة الحديثة مع مظاهر جدلية كانت موجودة قبل الصحوة، ولم يكن لها ذلك التأثير الكبير على عموم مناطق المملكة العربية السعودية، إذ لم تكن الفتوى الشعبية من صغار طلبة العلم تتعدى على نظام الدولة في حفظ الفضاء العام القائم على التسامح والتعددية وقبول الآخر، بل كانت علاقة الناس الطبيعية تتجاوز نطاق التعددية المذهبية في تسامحها إلى من كنا نسميهم (الخواجات)، فنراهم يتجولون رفق عائلاتهم، ونحترم خصوصيتهم في لباسهم كما الأوروبي يحترم خصوصية لباسنا في بلده (بعض الصور القديمة للخواجات رفق عائلاتهم في بعض مدن المملكة تظهر ذلك بجلاء)، فالفتوى كانت تأخذ طابعاً شخصياً كما هو الأمر في حقيقتها، ولا يمكن أن توجد فتوى عامة، ثابتة في شأن عام، صالحة لكل الناس، في كل زمان ومكان، فهذا مما لا يقوله طالب علم صغير فكيف بعالم يدرك باب (تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان)، الإشكال كان يكمن في الفتوى الخاصة بأحد مناطق المملكة التي تمتلك «رأسمال اعتباري»، وقد أخذت بُعداً رسمياً لم يكن السياسي يفترضه أو يفرضه، لكن حركات الإسلام السياسي استثمرته كغطاء يتم من خلاله التغول على نظام الدولة بالفتوى الشرعية، ويؤكد هذا الأمر أن منطقة مكة وحاضرتها مدينة جدة لم تعانِ ما عانته بعض المناطق الجنوبية مثلاً من الصحوة، فحافظت منطقة مكة على بعض مظاهر الأريحية الاجتماعية في التعامل مع الآخر، بل وحافظت رغم كل الضغط الصحوي على تعدديتها المذهبية وتسامحها الديني الطبيعي، بحكم الواقع الذي يفرضه معنى (ضيوف الرحمن) من مختلف الدول والألوان والمذاهب والطوائف لمليار ونصف المليار مسلم.

أعود فأقول: الفتوى شبه الرسمية تم استثمارها كغطاء لفتاوى ذات طابع سلطوي على المستوى الاجتماعي الذي لا تتدخل فيه الدولة الحديثة أبداً، بل إن النظام الأساسي للحكم راعى حرية المواطن وفق المعنى الشرعي العام، وليس وفق المعنى الصحوي السروري الخاص، الذي يقتحم على الناس خصوصياتهم، ومثالها (ظاهرة إجبار النساء المحجبات في بعض المناطق على لبس النقاب، دون مراعاة للخلاف الفقهي المشهور في المسألة، ثم تحريم التلفاز، ثم تكسير أطباق الدش وقنصها بـ«الساكتون» في منازل الجيران، وقبلها محاولة البعض حرق محلات الفيديو) قد يقول قائل: هذا التطرف موجود منذ عقود في إخوان السبلة وهم قبل الصحوة، وهذا صحيح في نطاق ضيق لمدرسة سلفية احتوتها الدولة بنظام العصا والجزرة، وكانت تعيش وسط بيئات لم تتقبلها حتى جاءت الصحوة فأعطتها الزخم اللازم للهيمنة على الفضاء العام لمعظم أرجاء المملكة.


إذاً فالصحوة اقتحمت مجال الدولة الحديثة فقاومت النظام الرسمي بالفتوى الشعبوية، وقاومت الخطاب السياسي بالخطاب الوعظي، وقاومت التاريخ الرسمي للدولة وإنجازاتها لصالح المواطن بالتاريخ الشفاهي الشعبوي المغلوط، فكلنا نذكر الواعظ الذي يدخل المنبر فيضرب قرار الدولة بإنشاء كليات طب وتمريض تستقطب الشباب من الجنسين ليخرج بخطاب وعظي يتضمن فتوى شعبية يقاوم بها نظام الدولة بتوفير تعليم الطب للطلاب والطالبات، مع سرد تاريخي غير أمين ومخاتل للتاريخ الإسلامي، كل هذا الثلاثي (الفتوى ضد النظام، الواعظ ضد السياسي، التاريخ الشعبي الأسطوري، ضد التاريخ العلمي الرصين)، هذه المظاهر الخطابية في (القاموس الصحوي السروري) يستخدمها الواعظ الصحوي ليضرب مثلاً شرف بناتنا من الممرضات والطبيبات بكل دم بارد، فمن لا يستجيب للفتوى ولا للموعظة سيستجيب للتاريخ الأسطوري الذي يحكيه الواعظ لفحولة غير واقعية تحمي شرفها ضد طواحين الهواء، جاهلاً بالتاريخ الحقيقي لعصور الدول الإسلامية في تمكين المرأة، لنرى الملكة أروى بنت أحمد الصليحي في القرن الخامس الهجري التي حكمت الدولة الصليحية في جنوب الجزيرة العربية ودعي لها من على المنابر، وفي العصر الحديث رأينا بنازير بوتو في بلد إسلامي كالباكستان وقد عاشت مناضلة لأجل قناعتها السياسية حتى جاءها الاغتيال بين أنصارها، كأي سياسي عريق في التاريخ السياسي الحديث.

كل هذا الشرح الطويل عن أثافي (الفتوى ضد النظام، خطاب الواعظ ضد خطاب السياسي، التاريخ الشعبوي الأسطوري لتراثنا ضد التاريخ العلمي الرزين له)، كلها جعلت خطاب الواعظ حاكماً ومهيمنا على خطاب السياسي، وجعلت المزاج الشعبي يعطي المصداقية لخطاب الواعظ ما لا يعطيه لخطاب السياسي، فما الذي بقي من زمن الصحوة؟.

بقي القاموس اللغوي الخاص بأدبيات الصحوة الذي نسمعه من بعض الألسن، والتحرزات التي أورثتنا إياها الصحوة من استخدام بعض الكلمات الطبيعية في قاموس مليار ونص المليار مسلم، فلو لاحظ القارئ في كل ما سبق من المقال تحرز الكاتب من استخدام كلمة (قانون) واستخدم بدلاً منها كلمة (نظام) رغم وجود بحث رزين مطروح منذ قرابة سبع سنوات، كتبه الشيخ بشار بن عمر المفدى المحاضر آنذاك في قسم السياسة الشرعية بالمعهد العالي للقضاء بالرياض، وذلك في مجلة العدل الصادرة عن وزارة العدل السعودية في (عددها الخامس/ محرم 1434)، بعنوان: (موقف الشريعة الإسلامية من كلمة «القانون») استطاع من خلاله تعرية الخوف غير المبرر وغير المنهجي من كلمة (قانون) التي سبق وأن استخدمها الإمام الغزالي (توفي عام 505 للهجرة ) في كتابه (المستصفى)، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية والنووي وابن حجر كما يقول الباحث، وأشار إلى بعض كلام كبار بعض هيئة كبار العلماء التي لم يتحرزوا فيها من استخدام كلمة قانون، وخلص الباحث إلى أنه لا داعي للتحرج من كلمة القانون في ذاتها، بل الحرج من مؤداها.

وكلام الباحث فيه من الوجاهة الكثير، فالعبرة بالمقصود وليس بالمنطوق، فشريعة داعش والقاعدة مهما أصدرت من أحكام سمتها (أحكام شرعية) في مجازرها بالعراق والشام بحق الناس هناك، فلا يعني أبداً أنها شرعية بالمعنى المقاصدي لدين الإسلام، الذي يؤمن به مليار ونصف مليار إنسان، يعيشون في قارات العالم وفق قوانين بلادهم المختلفة من غير نكير سوى نكير (الإخوان المسلمون والسرورية)، ولهذا لا يفوتني الإشارة للكتاب الدسم الصادر عام 2011 عن مكتبة القانون والاقتصاد بالرياض (كأنما هذا الكتاب الرزين خارج سياق لوثة الصحوة التي سيطرت حتى على لسان بعض رجال الرأي عندنا، ولم يسلم منها حتى لسان العجوز في باديته)، وأقصد به كتاب (القانون الدستوري السعودي ـــ دراسة قانونية تطبيقية) ومؤلفوه في غنى عن ذكرهم هنا، لكن بأمثالهم نطمئن أن دولتنا لن ينقطع منها النجباء، وهم فعلاً الرجال المناسبون في المكان المناسب.