يحرص غالب الناس اليوم على الصحة والقوة وأمور أخرى مشابهة، ونخطئ كثيرا حينما نحصر الصحة في معناها الذي يتبادر إلى الذهن، وأقصد الجانب المتعلق بالأدواء المختلفة، أو أدويتها الناجعة، فهناك جانب آخر مهم مطلوب أن نهتم به، وهو كيف يمكن أن نجعل مجتمعاتنا صحية فكرا، ونحررها من أن يصيب عقول أفرادها الترهل.

بعضنا يهتم كثيرا بالتزود بحظ كبير من المعارف الشرعية، وهذا لا يمكن أن يكون عبر التمني والتشهي، فهذا الأمر الدقيق يحتاج مع مطالعة الكتب الدينية إلى مرجعية يتم على يديها تلقي المصادر. فالكتاب وحده لا يصنع عالما، بل ولا متعلما، والقراءة الخاطئة هي من أورثت مجتمعاتنا سلوكا غير مستقيم، فضلا عن غير ذلك من المساوئ المختلفة.

اختلط كثير من المفاهيم الشرعية على الناس، والسبب يعود إلى مسببات كثيرة، وأجد أن أبرزها هو عدم القدرة على تحرير المصطلحات الشرعية، مما أوقع الناس في الخلط والخبط، وأفسد عليهم تصورهم للفهم الصحيح للنصوص، وتفسيرها تفسيرا خاطئا، فصاروا يقولون -مثلا- كل ما لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يمكن لغيره فعله، ومن رام الدقة منهم سيصف الفعل بأنه «بدعة»، وهو قول ينقصه الفهم الصحيح للبدعة.

يقول الإمام الشاطبي في كتابه الشهير (الاعتصام) «البدعة: طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية. البدع لا تدخل في العادات، فكل ما اخترع من الطرق في الدين مما يضاهي المشروع ولم يقصد به التعبد، فقد خرج عن هذه التسمية».

المشكلات عندما تكون في الفكر يصبح الحل عصيّا جدا، لا سيما أن تجفيف هذا النوع من المعضلات يحتاج إلى زمن طويل، حتى لو غاب صاحب الفكرة، فإن أتباعها وأتباعه موجودون، ويختفون، ويتكاثرون، ولا يهدأ لهم بال أمام تشويه الأفهام، وإعلال صحتها، جنبا إلى جنب مع الطعن في عقائد الآخرين، حتى لو كانوا من الصحابة أو التابعين أو تابعيهم -رضي الله عنهم أجمعين- إضافة إلى السعي الجاد في إقصاء كل ذي عقل أو فهم يخالفهم، أو الذي لا يوافق نظرهم أو نظرتهم.

أختم بضرورة التركيز، وحمل أمور تخليص المجتمعات من عللها الفكرية محمل الجدية، خاصة أن التراكمات الخاطئة كثيرة جدا، ومخاطرها لا تخفى، والوقاية منها تحتاج إلى خطابات غير منحرفة، يقوم بها علماء مخلصون، لديهم نصيب كبير من الوعي بالواقع، مع حظ غير قليل من نظافة القلب، وسلامة الخاطر، إضافة إلى إيمان تام بأن الانتفاخ العلمي الأجوف طريق ضال ومضل، وأن من يصف المجتمعات التي بدأت محاولات التعافي بـ«الجاهلية» هو جاهل، وفي الوقت نفسه مبتلى بمرض عضال، آمل أن يبرأ منه عاجلا عير آجل.