يُروى أن فلورنسا - مطلع القرن 16 - ضاقت ذرعا باحتكار البندقية لموانئ الشرق، فأرسلت حكومتها مكيافللي في مهمة استخباراتية لاستكشاف ممرات تجارية بديلة عبر الطرق النهرية في الشرق، فتنكر في هيئة تاجر، ومر بجزيرة ابن عمر على نهر دجلة، وزار مكتباتها، فرأى مخطوطة غريبة الشكل والخط فاشتراها، ونسي أمرها، حتى قابل في السوق موكبا مهيبا، ولما سأل عنه، قيل إنه موكب الترجمان ومهندس سياسة بني عثمان، الوزير إدريس البتليسي، فتشوق مكيافللي للقائه، ليضرب عصفورين بحجر واحد، الأول سؤاله عن المخطوطة، والآخر ليحاور عقلا يقود دبلوماسية الطموح العثماني، فربما استفاد منه ما يحل مأساة دياره الإيطالية، وحين التقيا اعترف مكيافللي بأنه مبعوث لجمهورية فلورنسا، وأنه يتمنى أن يُقيم عنده، فرحب به الوزير، واستضافه في حجرة عتيقة مضاءة بفوانيس النحاس، وأخذ يحاور الوزير عن صراع الإرادات ومصائر الدول، ثم بسط المخطوطة بين يديه وسأله عنها، فقال الوزير: إنها في أدب وبلاغة العرب، كتبها رجل قبل قرنين اسمه ضياء الدين بن الأثير، وستعجب حين أقول لك: إن حوارنا السياسي قد يلتقي مع هذه المخطوطة، فهي تجعل الكتابة مهنة سياسية، يُستدرج فيها الخصم حتى يقع في الشِراك، وأن مؤلفه وصل بهذا الاستدراج حتى صار وزيرا، اندهش مكيافللي وسأل: كيف ذلك؟، فتلا الوزير مقطعا من المخطوطة: «الاستدراج من بلاغةِ العرب، وبه نزل كتابهم، فاسمع قوله: (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا، إذ قال لأبيه يا أبت لِمَ تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يُغني عنك شيئا...) ثم انظر كيف استدرج إبراهيم أباه بالمداورة والملاينة حتى يستلين له ويعلن استسلامه»، أتدري -يا مكيافللي- أنَّه لما تدهورت الأوضاع السياسية بعد موت صلاح الدين الأيوبي، راسل ابنُ الأثير ملوكَ الطوائف وقادةَ الجيوش المناوئة بأسلوب كأسلوب إبراهيم مع أبيه، أخبرهم بالتنازلات وسحبهم ببطء نحو خطة سياسية محكمة، حتى سقطت معاقلهم، ولما رأى الملك الأفضل بن صلاح الدين فِعلَ ابنِ الأثير رقّاه من كاتب في الديوان إلى وزير. فقال مكيافللي: أرجوك، أريد الكتاب مترجما، وسأدفع للترجمان ما يريد.

مكث مكيافللي شهرا، أنجز فيه مهماته في تقييد مسالك القوافل ومنافذ التجارة، وأبرم بعض الاتفاقات، ورافق البتليسي في جولاته الميدانية، وراقب كيف يُهندس تحالفات بني عثمان مع أمراء العشائر وقادة الطوائف، وبعد شهر تسلم الكتاب مترجما، وأعطى الترجمان كُل ما تبقى له من مال، ولم يُبق إلا نفقات قوافل الحرير التي ستنطلق به نحو حلب، ومن حلب إلى موانئ الشام، ثم يستقل سفينة تجارية نحو إيطاليا، ولما بلغها، انشغل بمشكلاتها، وهي أن الديار الإيطالية كانت مدنا متناحرة تتلاعب بها القوى الأوروبية الكبرى كفرنسا وإسبانيا، وكان المجتمع الإيطالي يعيش انفصاما نَكِدًا بين التدفق الكبير للفنون والآداب، والانحطاط السياسي الشنيع، ولما طال أمد الانفصام، انشغل عنه بالقراءة والعزلة، فقرأ مما قرأ الكتاب الذي جاء به من جزيرة ابن عمر، فانتبه إلى أنه يحمل في جعبته الحل الأكبر لكل مشكلات إيطاليا. شده العنوان (المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر). قرأه باهتمام وملأ حواشيه بالتعليقات، وأهمها فكرة تحويل الكتابة إلى مهنة سياسية، يكون فيها القول كالفعل، بمعنى أن العقل العربي لا يعترف بانفصام الكلام عن أثره، فكلمة أمير تشتق من الأمر، وإذا نطق الأمر ولم يتحول إلى فعل واقعي، زالت الإمارة وتلاشى الرابط الوجودي بين الراعي والرعية، حتى إنهم إذا خرجوا في سفر -وهو أمر بسيط- أمَّروا عليهم أميرا، لأن الجماعة ورأسها الإمارة هي الرابط بين القول والفعل عند العرب، ولهذا انحاز فقهاء العرب لفكرة وجوب طاعة الأمير حتى لو كان فاسقا أو ظالما، مفضلين التمسك بفيزيائية الدولة وما هو كائن فعلا على حساب المثاليات كالعدالة المطلقة وما ينبغي أن يكون، لدرء أن تكون الأقوال بلا أفعال، وما الأقوال بلا أفعال إلا الكذب والفتنة، «والفتنة أشد من القتل».

والسؤال: ماذا قيد مكيافللي في دفاتره عن كتاب «المثل السائر» ؟ قيد ثلاث ملاحظات كبرى، وكتب على هامشها: «تُنقل إلى كتابنا الأمير»، أولى الملاحظات: أن بناء عقل الدولة يحتاج نثرا فعليا وليس شعرا قوليا، وثانيها: ضرورة نقل الخيال من سماء التلقي السلبي إلى أرض الإنتاج الفاعل، فكما حول ابن الأثير طرائق التعبير إلى مادة قابلة للقياس وتستعمل لاحتواء الخصوم واستدراجهم، يجب على الحاكم أن يُحول العاطفة والأخلاق إلى أدوات وظيفية تقاس بمدى نفعها في إدارة الممالك، أما الثالثة فهو الانحياز المطلق لما هو كائن، فالعرب في سياساتهم يتعاملون مع إرادة البشر، ويوظفون فهمهم للغرائز والمخاوف لتثبيت أركان الحكم، مرجئين يوتوبيا (ما ينبغي أن يكون) والكمال الأخلاقي إلى الإرادة الإلهية.


ومن هنا تبلورت نظرية كتاب «الأمير»، بين حيل الكاتب وأفعال الحاكم، فإذا كان ابن الأثير يُلزم الكاتب الديواني بأن يُزاوج في رسائله بين الوعيد الذي يُخوف المتمردين وبين الملاينة والمداورة لاكتشاف شراك الخصوم واستدراجهم فإن مكيافللي كتب في نظريته: إذن على الأمير ألا يُحكَم بالفضيلة المجردة، إنما بالمرونة السياسية التي تُزاوج بين أداتين: قوة الأسد التي تُخيف (الذئاب) المتربصة بدولته، ودهاء الثعلب الذي يستشعر ما خُبئ له، فيتلاعب بخصومه. وكما أن الكاتب ابن الأثير يُخضع كل قواعد اللغة والمحسنات البلاغية لخدمة هدف واحد هو الاستيلاء على عقل المتلقي وبلوغ غاية الإقناع، أدرك مكيافللي أن الحاكم أيضا يجب أن يُخضع كل القواعد البشرية لخدمة استقرار الدولة، ففي شريعة الكتابة الديوانية عند ابن الأثير الغاية تبرر الوسيلة، وهي كذلك في سلطنة مكيافللي.