قد يبدو غريبا أن تستثمر مؤسسة صحية ربحية في برنامج يهدف بنهاية المطاف إلى تقليل حاجة الناس لبعض خدماتها العلاجية، هذا تحديدًا ما استوقفني خلال إحدى زياراتي - الأسبوع المنصرم - عددًا من مؤسسات القطاع الصحي الخاص في جدة.

في إحدى المؤسسات الصحية اطلعت على برنامج لمتابعة مرضى السكري، يقدم خدمات إضافية لا تشملها التغطية التأمينية المعتادة، ودون تحميل المرضى أي تكلفة إضافية. كانت النتائج بحسب ما عرض مشجعة، إذ تحسنت المؤشرات السريرية، وازداد التزام المرضى بخططهم العلاجية، وتعززت العلاقة بينهم وبين الفريق الصحي. ومع كل تفصيل جديد يعرض اتضح أن الحديث يتجاوز برنامجًا ناجحًا لإدارة مرض مزمن. فقد كشف النموذج عن ملامح دور جديد يمكن أن يؤديه القطاع الصحي الخاص خلال السنوات المقبلة.

على امتداد عقود ارتبط تطور القطاع الصحي بتوسيع القدرة العلاجية، فشيدت المستشفيات وتطورت التقنيات، وازدادت الخدمات المتخصصة، وكان استجابة طبيعية لاحتياجات تلك المرحلة. اليوم تقف الأنظمة الصحية أمام تحديات مختلفة، فالأمراض المزمنة أصبحت أكثر انتشارًا، وتكاليف الرعاية تتصاعد، وأصبح الحفاظ على صحة الإنسان قبل إصابته بالمرض هدفًا لا يقل أهمية عن جودة علاجه بعد الإصابة.


من هنا تتسع مساحة مساهمة القطاع الصحي الخاص، فما يمتلكه هذا القطاع من مرونة في الابتكار وسرعة في تطوير الخدمات، وقدرة على بناء الشراكات، يؤهله لتقديم نماذج جديدة للرعاية الصحية، تبدأ بالكشف المبكر، وتمتد إلى إدارة الأمراض المزمنة ودعم أنماط الحياة الصحية، ومرافقة المستفيد في رحلة العافية على المدى الطويل.

غير أن نجاح هذا التحول يرتبط بعامل آخر لا يقل أهمية عن جودة البرامج نفسها، وهو طريقة تمويل الرعاية الصحية. فكثير من العقود الحالية بين المستشفيات وشركات التأمين ما زالت تعتمد على الدفع مقابل كل خدمة تقدم، ويؤدي هذا النموذج إلى مكافأة النشاط العلاجي أكثر من الاستثمار في الوقاية، حتى عندما تثبت الوقاية قدرتها على تحسين النتائج الصحية وخفض المضاعفات.

لهذا فانتشار برامج الوقاية لا ينبغي أن يبقى رهينًا بحماس بعض المؤسسات أو قناعة قياداتها. فالاستدامة تتطلب أن تصبح الوقاية جزءًا من المنظومة الاقتصادية للرعاية الصحية، بحيث ترتبط الحوافز بتحسن صحة المستفيدين، وانخفاض المضاعفات وجودة النتائج الصحية، وليس بعدد الخدمات المقدمة فقط. وعندما يحدث ذلك ستتغير الطريقة التي نقيس بها نجاح المؤسسات الصحية. فإلى جانب عدد الأسرة، والعمليات، والعيادات، ستبرز مؤشرات أخرى تعكس الأثر الحقيقي للرعاية الصحية «ارتفاع معدلات الكشف المبكر، وتحسن السيطرة على الأمراض المزمنة، وانخفاض المضاعفات، وتحسن جودة الحياة، وارتفاع مستوى الصحة في المجتمع». هذه المؤشرات لا تعبر عن نجاح برامج الوقاية فحسب، وإنما تكشف أيضًا عن كفاءة النظام الصحي واستدامته.

الاستثمار في الوقاية يحقق مكسبًا آخر لا يقل قيمة، فهو يبني الثقة، فعندما تتابع المؤسسة الصحية المستفيد قبل المرض وتدعمه في المحافظة على صحته، تتشكل علاقة تمتد لسنوات، وتتحول الرعاية الصحية إلى شراكة مستمرة في تحسين جودة الحياة.

ومع هذا التحول تتغير أيضًا طبيعة المنافسة بين المؤسسات الصحية، فتقنيات العلاج المتقدمة ستبقى عنصرًا مهمًا بلا شك، وكذلك الكفاءات الطبية والبنية التحتية. إلا أن القدرة على تحسين صحة المجتمع ستصبح معيارًا إضافيًا للتميز وعاملًا يعزز الثقة ويرفع القيمة التي تقدمها المؤسسة لمستفيديها.

ويبقى سؤال يستحق التأمل: هل ستصبح هذه النماذج جزءًا من تجربة جميع المستفيدين؟ أم ستظل مرتبطة بمؤسسات محددة أو بفئات معينة من المؤمن عليهم؟ نجاح أي تجربة رائدة يكتمل عندما تصبح قابلة للتوسع، وعندما تتحول من استثناء ناجح إلى ممارسة اعتيادية داخل المنظومة الصحية.

في السعودية يتوافق هذا التوجه مع مستهدفات التحول الصحي ورؤية 2030 التي تسعى إلى بناء منظومة صحية أكثر كفاءة واستدامة وتعزيز جودة الحياة، وتوسيع دور القطاع الخاص. وما لمسته خلال لقاءاتي كان مؤشرًا مشجعًا على أن التحول بدأ ينتقل من مرحلة التخطيط، إلى مرحلة إعادة تشكيل طريقة التفكير داخل كثير من المؤسسات الصحية الخاصة.

وربما يصير السؤال الذي سيحدد مكانة المؤسسات الصحية خلال السنوات القادمة، سؤالًا مختلفًا عما اعتدناه وهو: كم إنسانًا حافظنا على صحته؟

عندما تكون الإجابة عن هذا السؤال جزءًا من معايير النجاح، وآليات التمويل ونموذج العمل، سيكون القطاع الصحي الخاص قد بدأ بالفعل رحلته نحو صناعة الصحة، وليس الاكتفاء بتقديم الرعاية الصحية.