الأمن هو القوة التي تحرس التحول؛ حيث لا تقوم الدول على ما تملكه من الموارد وحدها، وإنما على قدرتها على حمايتها وتحويلها إلى قوة مستدامة؛ فالثروة التي لا يحرسها أمن معرضة للابتزاز، والتنمية التي لا تسندها دولة حامية مشروع مؤجل، والسيادة التي لا تملك أسباب الدفاع عن نفسها تبقى مرهونة بإرادة الآخرين.

ومن هنا يحتل الأمن موقعًا مركزيًا في فكر سمو الأمير؛ فهو ليس قطاعًا حكوميًا يقف إلى جوار الاقتصاد والسياسة، وليس وظيفةً تنحصر في حراسة الحدود ومطاردة الجريمة، وإنما هو القدرة الشاملة التي تحمي الدولة وقرارها ومجتمعها ومصالحها ومشروعها المستقبلي.

ويتحرك الأمن في ثلاث دوائر مترابطة: الأمن العام الذي يحفظ حياة الناس وانتظام المجتمع، وأمن الدولة الذي يحمي كيانها ومؤسساتها وقرارها من الإرهاب والتجسس والاختراق، والأمن العسكري «الدفاعي/ الهجومي» الذي يردع ويدافع عن الحدود والمصالح الإستراتيجية ويمنع الأخطار الإقليمية من الانتقال إلى الداخل، وهذا كله بشقيه العملياتي والاستخباراتي، ولا تستقل دائرة منها عن الأخرى؛ لأن التهديد الحديث يستطيع عبور الحدود بالسلاح، أو التسلل إلى الداخل بالفكرة والتمويل، أو الوصول إلى الدولة من خلال شبكة إلكترونية لا ترى، ولهذا لا تبدو رؤية السعودية 2030 خطةً اقتصادية تحتاج إلى الأمن فحسب، بل مشروع أمن قومي شامل؛ لأنها تستهدف بناء دولة أكثر قوة وتنوعًا واستقلالًا، فالاقتصاد المتنوع يقلل مواطن الارتهان، والصناعة الوطنية تزيد القدرة على الصمود، والتقنية ترفع كفاءة الدولة، والمجتمع الواثق أكثر مناعة في وجه التطرف والتضليل.


كما أن الدولة التي تفتح أبوابها للاستثمار والسياحة والفعاليات العالمية، وتبني المدن والمشروعات الكبرى، لا تستطيع حماية تحولها بالانغلاق، بل تحتاج إلى أمن أكثر كفاءة وتعقيدًا، فالدولة التقليدية تستطيع تقليل المخاطر بتقليل الحركة، أما الدولة الطموحة فتدير حركة أوسع ومخاطر أكبر من غير أن تتراجع عن انفتاحها، وهنا تتحول وظيفة الأمن من تقييد الحياة إلى تمكينها وحماية اتساعها.

وفي هذا السياق جاء إنشاء رئاسة أمن الدولة في يوليو 2017؛ وهذا لم يكن مجرد نقل قطاعات أمنية من وزارة الداخلية إلى جهاز جديد، بل إعادة تعريف للوظيفة الأمنية ورفعًا لدرجة التخصص، من خلال الفصل بين الأمن العام وأمن الدولة، فتفرغت وزارة الداخلية لوظائفها الواسعة في حفظ النظام ومكافحة الجريمة والمخدرات وحماية الحدود والدفاع المدني وتقديم الخدمات الأمنية، فيما تركزت في رئاسة أمن الدولة مسؤوليات مكافحة الإرهاب وتمويله، ورصد التنظيمات والارتباطات الخارجية، ومواجهة التجسس والاختراق وكل ما يستهدف كيان الدولة ومصالحها العليا.

وأهمية هذا التحول لا تكمن في زيادة الحضور الأمني، وإنما في رفع كفاءته؛ أي الانتقال من ملاحقة الخطر بعد وقوعه إلى اكتشافه في طور التكوين، ومن المعلومات المتفرقة إلى الصورة المتكاملة التي تختصر المسافة بين رصد التهديد واتخاذ القرار حياله.

وعلى الرغم من أن مواجهة الإرهاب أكسبت المملكة خبرةً أمنية عالية، فإن التهديد نفسه تغير؛ فلم يعد التنظيم يحتاج إلى مقار ظاهرة أو تسلسل قيادي تقليدي، بل أصبح قادرًا على التجنيد والتوجيه والتحريض والتمويل عبر الفضاء الرقمي، وعلى تحويل فرد معزول إلى أداة إرهاب، ولذلك أصبحت المواجهة تكاملًا بين العمل الميداني والمعلومة الاستخباراتية والتحليل المالي والأمن السيبراني، فضلًا عن معالجة البيئة الفكرية التي تمنح التطرف قدرته على التجدد.

أما خارجيًا، فقد مثلت مشكلة الحوثيين في اليمن، وعدوان إيران الأثيم، اختبارًا للاستباق السعودي وحساسية الاستجابة؛ وكشف اتساع حدود القوة العسكرية، في مسألة رد العدوان وتحييد خطره، والجمع بين ضبط النفس والضغط السياسي؛ فلم يكن انتقال المملكة إلى التهدئة ودعم فرص التفاوض تراجعًا عن مفهوم القوة، بل تعبيرًا عن نضجه؛ فالدولة القادرة ليست التي تستخدم السلاح في كل وقت، وإنما التي تعرف متى تستخدمه، ومتى تنقل المواجهة إلى السياسة.

وفي موازاة ذلك، أعاد سمو الأمير تعريف التسلح نفسه، فلم تعد صفقات الأسلحة غاية تنتهي بوصول المعدات، وإنما وسيلة لنقل التقنية وتدريب الكفاءات وتوطين الصيانة والإنتاج وبناء سلاسل إمداد وطنية، ولا تكمن أهمية التوطين في عائده الاقتصادي وحده، بل في معناه السيادي؛ لأن السلاح الذي لا تستطيع الدولة صيانته وتطويره يظل مرتبطًا بإرادة منتجه.

ويأتي الأمن السيبراني امتدادًا طبيعيًا لهذا المعنى؛ فكل خدمة رقمية جديدة ترفع كفاءة الدولة، لكنها تفتح في الوقت نفسه بابًا جديدًا للخطر، والرقمنة من دون حماية لا تنقل الدولة من الورق إلى التقنية فقط، بل قد تنقل مواطن ضعفها إلى شبكة واحدة، لذلك أنشئت الهيئة الوطنية للأمن السيبراني سنة 2017، وأصبح أمن البيانات والاتصالات والطاقة والخدمات الحكومية والمنشآت الحيوية جزءًا أصيلًا من الأمن القومي.

وأدرك سمو الأمير أن الدولة مهما بلغت قوتها لا تحمي نفسها منفردة، وأن التحالفات التقليدية لم تعد كافية في عالم تتعدد قواه وتتغير فيه حسابات الحلفاء، ولذلك اتجهت السياسة السعودية إلى تنويع الشراكات، مع المحافظة على الحلفاء التاريخيين، وبناء مساحة أوسع من الاستقلال الإستراتيجي، وتجلى ذلك مؤخرًا في «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان في أغسطس 2026، والتي ربطت الردع والدفاع المشترك بالتعاون في الصناعات والتقنيات الدفاعية، ولا تعني الاتفاقية استبدال تحالف بآخر، وإنما بناء شبكة من المصالح والقدرات تقلل فرص الارتهان للمخاطر الإقليمية أو تغير المزاج العالمي في بعض الظروف، وهنا يتجلى البعد الأعمق في الأمن عند سمو الأمير: السعي إلى امتلاك أسباب الحماية والردع، والاعتماد على بناء قوة الذات مع تعدد الحلفاء، والعمل وفق قاعدة أن الأمن يصنع التنمية، ولذلك حرص سموه على مواصلة بناء منظومة شديدة التكامل: استخبارات ترى مبكرًا، وأجهزة داخلية تمنع الاختراق، وقوات تتحرك بكفاءة، وصناعة عسكرية، وتقنية تحمي الفضاء الرقمي، ودبلوماسية تمنع الحروب أو تنهيها.

الأمن في فكر سمو الأمير ليس مشروع خوف، بل مشروع ثقة؛ ثقة المواطن في دولته، والمستثمر في استقرارها، والحليف في قدرتها، ويقين الخصم بأن كلفة الاعتداء عليها أكبر من مكاسبه؛ لأنها بنت القوة التي تحرس الطريق.