كتب داود الشريان قبل أيام جملة قصيرة في منصة X ردًا على تساؤل، أثارت نقاشًا واسعًا: «الموظف ليس طبيبًا مناوبًا. انتهى الدوام، انتهى العمل». استوقفتني كلمة «طبيب» أكثر من سواها. لماذا احتاج الشريان إلى الطبيب تحديدًا ليشرح فكرته؟ ولماذا صارت هذه المهنة المثال الجاهز في الذهن لعمل قد يتجاوز حدود الساعة؟

الإجابة السهلة، أن طبيعة العمل الطبي لا تحتمل التوقف المفاجئ وهي صحيحة لكنها لا تفسر كل شيء. فالطبيب مجازًا يعمل بعقدين. عقد وظيفي مع المؤسسة له ساعات عمل وحقوق وواجبات. وعقد مهني تفرضه طبيعة المهنة وأخلاقياتها ومسؤوليتها تجاه المريض وقد تستمر آثاره بعد تسجيل الخروج.

المفارقة أن بعض المؤسسات تدير العقد الأول، وتتّكئ على الثاني. فحين يتأخر الطبيب عشر دقائق صباحًا، تستطيع المنظومة تسجيلها بدقة. وحين يبقى بعد دوامه ليستكمل معاينة حالة أو يطمئن إلى انتقال مسؤوليتها بأمان، قد لا تظهر تلك الدقائق في أي مؤشر للأداء. وحين يقع خطأ يتجه السؤال سريعًا إلى قرار الطبيب ومسؤوليته المهنية، فيما يستحق تصميم العمل وآلية التسليم القدر نفسه من الفحص.


هنا تظهر معادلة غير متوازنة: التزام قد يمتد بعد الساعة، وقياس يتوقف عندها. وقد نرى الممارس الذي يتجاوز ساعات عمله نموذجًا للتفاني وقد يكون كذلك. لكن تكرار هذا المشهد يوميًا يستحق سؤالًا مختلفًا: لماذا يحتاج الطبيب أصلًا إلى البقاء؟

استمرارية الرعاية تحتاج نظامًا يحدد من يستلم المسؤولية، وكيف تنتقل المعلومات الحرجة، ومتى يصبح المريض في عهدة الفريق التالي. أظهرت دراسة متعددة المراكز، منشورة في مجلة NEJM أن تطبيق برنامج منظم لتسليم المرضى ارتبط بانخفاض الأخطاء الطبية بنسبة 23 % والأحداث الضارة القابلة للمنع بنسبة 30 %، دون زيادة ذات دلالة في مدة التسليم.

فالتسليم المنظم جزء من سلامة المريض، ويساعد على انتقال المسؤولية دون اعتماد مستمر على التضحية الفردية. لهذا فإن البقاء بعد الدوام قد يكون فضيلة في الطبيب، لكنه حين يصبح قاعدة قد يكون عرضًا لمشكلة في المؤسسة. وتظهر المشكلة نفسها عند قياس الأداء فغالبًا نلتقط ما يسهل عده، ونفقد أحيانًا ما يصعب وصفه.

المشكلة ليست في قياس الحضور أو الالتزام بساعات العمل، فالانضباط جزء من المهنية، ومن حق المؤسسة أن تعرف كيف يستخدم وقت العمل. المشكلة تبدأ حين يتحول ما يسهل قياسه إلى تعريف للأداء نفسه. فالبصمة تستطيع أن تخبرنا متى حضر الطبيب ومتى غادر، لكنها لا تستطيع أن تخبرنا عن جودة قراره، أو دقة تشخيصه، أو الوقت الذي احتاجه مريض معقد، أو خطأ تجنبه قبل أن يصل إلى المريض.

هنا يصبح خطر الإدارة بالأرقام أنها تمنحنا صورة شديدة الدقة عن جزء صغير من العمل، ثم تغرينا بالتعامل معها وكأنها الصورة الكاملة.

طبيب رأى خمسين مريضًا خلال أربع ساعات، وآخر رأى خمسة عشر. أيهما أفضل أداءً؟

العدد يعطي إجابة سريعة لكنه لا يخبرنا عن تعقيد الحالات. فقد يكون الطبيب الآخر قد راجع أدوية متعددة لمريض مسن، وأجرى فحصًا أدق، وناقش خيارات العلاج، ورتب إحالة متكاملة. فتجديد وصفة لمريض مستقر، يختلف عن التعامل مع مريض بأمراض مزمنة متعددة وشكاوى متداخلة.

لذلك يبدو الانتقال من عدد المرضى إلى قيمة الرعاية منطقيًا. ومع ذلك لا يكفي استبدال رقم برقم آخر. فقد يكون التوثيق مكتملًا، بينما جودة القرار السريري مختلفة كما أن رضا المريض يقدم جزءًا من الصورة. وحين يتحول المؤشر إلى هدف بحد ذاته، يبدأ السلوك في التكيف معه. وهنا يبرز السؤال الأعمق: كيف نحكم على الأداء؟

بعض جوانب جودة الطبيب تحتاج إلى خبرة مهنية تفهم تعقيد القرار الطبي، من خلال مراجعة الأقران، ومناقشة الحالات، والتدقيق السريري، وتحليل الأخطاء والأحداث. هذه الأدوات تمنح مؤشرات الأداء سياقها ومعناها.

هذا لا يعفي الطبيب من المساءلة. فالانضباط والحضور والتوثيق وحجم العمل عناصر مهمة، والتقصير فيها يستوجب المحاسبة. لكن تحويل أحدها إلى تعريف كامل للأداء يخلق صورة ناقصة. نحتاج إلى إدارة تفهم طبيعة العمل الذي تقيسه:

تسليم سريري واضح وموثق، وجداول تراعي العبء وتعقيد الحالات، ومؤشرات متعددة، ومراجعة مهنية تفسر الأرقام بدل الاكتفاء بها.

عندها تصبح جملة الشريان صحيحة في حق الطبيب أيضًا: ينتهي دوامه، وتنتقل مسؤولية المريض بأمان إلى ممارس آخر. فالمنظومة الجيدة تسمح للطبيب أن يغادر، وتضمن للمريض أن تبقى الرعاية. يتغير الطبيب، وتبقى المسؤولية.