كما هو معروف، سقراط لم يكتب كتابا واحدا، وليس له أي أثر مادي يؤكد من الأساس أنه شخصية حقيقية. لم يكن سقراط سوى بطل في أعمال أدبية كتبها فلاسفة يونانيون وأشهرهم أفلاطون. ففي أعماله الأدبية، كان سقراط يلعب دور المجادل الذكي الذي يطرح أسئلة محرجة على خصومه الفكريين تجعلهم يشككون في كل معتقداتهم ومسلماتهم.

يظهر سقراط في حوارات أفلاطون باعتباره شخصية تقدمية تنويرية، تسعى لإيقاظ الوعي الجمعي وتفكيك المسلمات المتوارثة. ولأنه يلعب دور البطولة فقد قرر أفلاطون أن يقدم بطله بمظهر المنتصر في نهاية المعركة الجدلية السقراطية، في حين كان خصومه يلعبون دور الظلامية والاستبداد، وبسبب عجزهم عن مقارعة الحجة بالحجة، قرروا إسكات سقراط العظيم للأبد وإعدامه بواسطة تناول السم. وهكذا تنتهي قصة سقراط الدرامية بموت البطل، بعد أن قدم روحه قربانا من أجل التنوير والعقلانية.

بغض النظر عن الأحداث الدرامية في قصة سقراط الخيالية التي انتهت بموت البطل، فمن حق أفلاطون أن يصنع خاتمته كما يشاء. ويسبغ على بطله كل السمات الإيجابية ويقدمه للناس باعتباره رمزا للعقل والتنوير وسيدا للحجج الدامغة التي تقلب المسلمات رأسا على عقب. ومن حقه أيضا أن يقدم خصومه باعتبارهم رمزا للظلامية، فهو في نهاية المطاف يكتب عملا أدبيا يلعب الخيال دورا كبيرا في حبكته الدرامية. ومن أبسط حقوقه أن يمنح بطله النصر المعرفي والأخلاقي.


ومن حقنا أيضا القول إن خصوم سقراط كانوا في حقيقة الأمر رغم دعاية أفلاطون المضادة هم الفئة العقلانية والتنويرية. سقراط -على افتراض أنه شخصية حقيقية- كان يمارس دور الناشر للخرافة رغم أن حواراته تبدو عقلانية وتنويرية. وهذا لا ينفي أهميتها وأنها كانت تأسيسا لما يعرف اليوم بالجدل الفلسفي أو الديالكتيك، وهو في الثقافة اليونانية/ الأوروبية ليس مجرد حوار يفضح المسلمات دافعه الفضول العقلاني، بل مفهوم أوسع من ذلك له أبعاد أسطورية وإشراقية قديمة. الجدل طريقة تطهيرية للوصول لعوالم النور القدسية، فهو عند سقراط ليس تنويرا ماديا مزعجا فقط، بل هو طقس تطهيري بامتياز. أسطورة ألبست لبوس الحوار العقلاني.

كان سقراط يتحرك بإيعاز من صوت باطني شبه إلهي يهديه في تحركاته ويسير فلسفته، فلم يكن الجدل عنده يهدف إلى الإحراج العقلي أو التفوق اللفظي، بل تطهير النفس من زيف العالم المادي والأوهام الحسية، بالتالي يلجأ إلى الجدل لتطهير الروح وإعدادها للعودة لعالم المُثُل النوراني. الجدل الفلسفي هنا يتعامل مع النفس باعتبارها مسجونة في العالم المادي، ومن خلال الجدل فالروح تتذكر عالمها الأصلي وتتطهر من زيف الحواس.

الجدل الفلسفي أشبه بجلسة علاجية هدفها تفكيك الآراء الشائعة والانطباعات الحسية الخادعة، توقع الخصوم في حيرة ذهنية وتناقض ذاتي، وهذه الحيرة ليست هدفا بحد ذاتها، ولكنها نوع من الصدمة التطهيرية، تفرغ النفس من أوهام الحواس وزيف العالم المادي لتتهيأ لاستقبال الحقائق النورانية. الجدل يهيأ النفس للإنفصال عن العالم الحسي والتسامي نحو «اللوغوس»، وهو تدريب روحي يتطلب صرف النفس عن القيود المادية، للتسامي لعالم المُثُل الأفلاطوني باتجاه الكليات العقلية.

جدل سقراط شكل من أشكال التذكر المعرفي والاتصال بالمقدس، فالغاية الأسمى منه، تحريك النفس الباطنية لتتذكر ما نسيته قبل سقوطها من عالم المُثُل الإلهي إلى العالم المادي. فالجدل هنا يعتبر أداة توليد وتذكير لاستخراج المعرفة الفطرية الساكنة في أعماق الروح، ليمارس دورا تطهيريا، لا يغير خارطة العقل فحسب، بل يعيد تشكيل النفس وسلوكها، فينقلها من ظلام الكهف الحسي إلى نور الحق المطلق.

لم يكن المجتمع اليوناني/ الأوروبي معزولا عن الممارسات الدينية السرية التي كانت ترى أن النفس الجسدية مدنسة بالمادة والشهوات وأنها بحاجة طقوس تطهيرية لتنقية الروح وإعادتها لأصلها الإلهي، وهي فكرة أصيلة عند الفيلسوف الفرنسي «رينيه ديكارت» الذي استلهم من الشك السقراطي نسقه الفكري، لتفكيك اليقينيات الزائفة الموروثة في سبيل تطهير العقل من المسلمات والآراء الشائعة، للوصول إلى حقيقة أولى صلبة لا يعتريها الشك. الشك الديكارتي في حقيقته ليس ممارسة عقلانية علمية، بل هو في جوهره تطهير للذهن للتحرر من زيف الحواس والعالم المادي. فقد بدأ ديكارت مشروعه الفلسفي بالشك في (حجية الحواس) للوصول لمعرفة أسمى تشبه إلى حد كبير تلك الأساطير الدينية التي آمنت بها الشعوب اليونانية.