لم تعد نظرية المؤامرة حكرًا على السياسة أو الحروب أو أجهزة الاستخبارات، بل أصبحت جزءًا من حياتنا اليومية.

في كرة القدم، إذا خسر الفريق فالحكم متآمر، وإذا تعثر المنتخب فهناك من أراد إسقاطه، وإذا فشل مشروع أو مؤسسة، فهناك من دبّر ذلك في الخفاء. حتى في المجالس الخاصة، أصبح التفسير الأسهل والأسرع لكل حدث هو: «هناك مؤامرة. المفارقة أن من يردد هذا التفسير ليس دائمًا شخصًا محدود التعليم أو الثقافة، بل قد يكون أكاديميًا، أو إعلاميًا، أو مسؤولًا، أو صاحب خبرة طويلة. وهنا يكمن السؤال الحقيقي:

لماذا يعطل الإنسان كل ما تعلمه عندما يتعلق الأمر بقناعته بوجود مؤامرة؟


السبب لا يعود إلى نقص في الذكاء، بل إلى طريقة عمل العقل البشري. فالإنسان لا يستخدم المنطق دائمًا لاكتشاف الحقيقة، بل يستخدمه كثيرًا للدفاع عن القناعة التي تمنحه راحة نفسية. علماء النفس يسمون ذلك «الاستدلال المدفوع بالدوافع». أي أن العقل يبدأ بالنتيجة التي يريدها، ثم يبحث عن الأدلة التي تخدمها، ويتجاهل ما سواها. لهذا فنظرية المؤامرة فكرة مريحة. فهي تعفي الإنسان من الاعتراف بالأخطاء، وتمنحه تفسيرًا جاهزًا لكل إخفاق. إذا خسر فريقه فهناك من استهدفه، وإذا فشل مشروعه فالآخرون تآمروا عليه، وإذا لم تتحقق توقعاته فهناك قوى خفية غيرت مسار الأحداث. بهذه الطريقة يبقى الضمير مرتاحًا، بينما تغيب المراجعة والنقد الذاتي.

نرى هذا بوضوح في الرياضة. مع كل تنافس رياضي، تنتشر عشرات الروايات التي تتحدث عن لجان، وتحكيم، وغرف مظلمة، واتفاقات سرية. والغريب أن الرواية تتغير مع تغير الفريق الذي نشجعه، بينما يبقى المنهج نفسه. لسنا نبحث عن الحقيقة، بل عن رواية تحفظ مشاعرنا. وفي السياسة أيضًا، لا يمكن إنكار أن المؤامرات وقعت عبر التاريخ، ومورس الخداع والتجسس والمناورات. لكن الاعتراف بإمكانية وقوع المؤامرة لا يعني تحويلها إلى تفسير شامل لكل حدث. فليست كل أزمة مؤامرة، وليس كل نجاح صناعة خفية، وليس كل فشل نتيجة مخطط محكم.

المجتمعات التي تتقدم ليست تلك التي تنكر المؤامرات، ولا تلك التي تراها في كل زاوية، بل المجتمعات التي تزن الأدلة قبل الأحكام. فهي تفرق بين الشك الصحي الذي يدفع إلى البحث، والشك المرضي الذي يقتل التفكير.

المؤسف أن الإيمان المفرط بالمؤامرة لا يشوه فهمنا للأحداث فحسب، بل يشوه قيمة العلم نفسه. فما جدوى سنوات الدراسة، ومناهج البحث، والإحصاءات، والتحليل، إذا كانت النتيجة محسومة مسبقًا؟ وما قيمة الخبرة إذا كنا سنختزل كل تعقيدات العالم في عبارة واحدة وهي «كل شيء مدبر»

العقل الحقيقي ليس العقل الذي يشك في كل شيء، ولا الذي يصدق كل شيء، بل الذي يملك الشجاعة ليقول: لا أعلم حتى تظهر الأدلة.

بين السذاجة التي تنكر كل المؤامرات، والهوس الذي يرى المؤامرة في كل حدث، مساحة واسعة اسمها التفكير النقدي... وهي المساحة التي يبدو أننا في أمسّ الحاجة إليها اليوم.