قابلته اليوم أثناء توزيع ملابس الشتاء على الأيتام (هو في منتصف العقد السابع من العمر)، ما إن رآني حتى اتجه إليّ ووجهه يشع بالبسمة، سلّم علي بحرارة وكأنه يبث فيها شكر صنيعي، كنت فيما مضى قد سجلت له طفلة لقيطة طلباً لكفالتها من فاعلي الخير بعد أن قدم بالوثائق والأوراق الرسمية ما يثبت ذلك، بدوري أدرجتها ضمن ملفه كطفلة لقيطة مجهولة الوالدين.

أشار بيده نحوها وهو يقول:

لقد صارت فتاة والتحقت بالمدرسة، يضيف راوياً القصة بعد أن سرح بعينيه بعيداً نحو لا شيء:

دخلت مستشفى الثورة لإجراء عملية قسطرة القلب لكنها فشلت على يد الجراح اليمني، وصادف أن كان يزور مركز القلب في المشفى طبيب روسي مختص في جراحة القلب، أرجعوني لغرفة العمليات مرة أخرى على عجل وطعم الدم في فمي، أعاين الموت بين أنفاسي وأنا أردد الشهادتين مراراً وتكراراً، موقناً أن آخر عهدي بالدنيا هي هذه اللحظات القصيرة، دخل الطبيب الروسي وبدأ يُعالج جسدي بالمشرط ويصلّه بالأنابيب وأنا شبه غائب عمن حولي خوفاً وهلعاً حتى أكمل الطبيب العملية، ليبشروني بنجاحها، تكلفة العملية قاربت مليونا ومئتي ألف ريال، سددت مناصفة بيني وبين الطبيب اليمني الذي أجرى العملية الأولى الفاشلة، يضيف: بعدها نقلوني إلى غرفة الرقود لتدخل علي زوجتي الموجودة معي مرافقة، وهي تحتضن بين يديها لفافة اقتربت مني وبصوت خفيض أسرّت لي، أنها وجدت رضيعة تحت سلالم المستشفى والقطط تدور حولها تكاد تأكلها.

أحنت يديها مبعدة اللفافة عن صدرها لأرى وجه رضيعة ضعيفة (يشوبها اللون الأزرق المحاكي للموت)، وكأنها صورة مصغرة لطفلة، قلت لها بلسان ثقيل والإجهاد والتعب يهدني بينما عقلي حاضر، أعي ما قالت لي وما أقول لها:

هل سألت عن أهلها؟

ردت علي: لقد سألت، وقيل لي لا بد أن أمها تخلصت منها وهذا كما قالوا لا يحدث إلا نادراً!. كان همي يصب في فعل الخير، عسى أن أخرج مما أنا فيه من المرض قلت لها وأنا أتذكر أولادي السبعة:

إنها رزق ساقه الله إلينا خذيها إلى أهلك حتى خروجنا من المشفى وإيجاد حل لها.

أنهى حديثه والتفت إلي ونظر في عيني وكأنه ينبهني ويشير إلى أهمية حديثه ووقعه علي، وقال قبل أن يشيح بوجهه جهة الطفلة ناظراً لها بعطف وحنان:

لم تستطع نفسي تركها بعد ذلك فقد تعلقت بها وكذلك زوجتي وأولادي وصارت ابنة لنا.

يستطرد برقة وصوت رقيق تذوب الكلمات فيه عطفاً أبوياً جياشاً: لقد أنقذت حياتي بعد أن كنت على شفير الموت.