وقد تكون آلية التخدير مرتبطة بكيفية نومنا، وطبيعة الوعي، والحالات المتعلقة بهذه الحالات.
لذا لاحظ الباحثون أن فاعلية التخدير ترتبط بالذوبان في الدهون الموجودة في أغشية الخلايا في الجسم. وقد أدى ذلك إلى «الفرضية الدهنية» لعمل التخدير العام، ولكن لايزال حدوثها يشكل لغزا.
لغز طبي
ففي دراسة حديثة في مجلة PNAS، يصف علماء من Scripps Research في سان دييجو، كاليفورنيا، آلية التخدير العام بتفاصيل غير مسبوقة.
تعتمد الآلية المقترحة على تعطيل مجموعات غير متجانسة من الدهون تسمى الأطواف الدهنية. يؤدي هذا إلى فتح القنوات الأيونية ويوقف الخلايا العصبية.
يصف الباحث ومؤسس حرم سكريبس ريسيرش في فلوريدا، الدكتور ريتشارد ليرنر، التخدير بأنه «الجد» من الألغاز الطبية.
ويقول: «عندما كنت في كلية الطب في ستانفورد، كانت هذه هي المشكلة الوحيدة التي أردت حلها».
تجربة ذبابة الفاكهة
قام ليرنر وزملاؤه باستخدام مزيج من الفحص المجهري النانوي ودراسات الخلايا والتجارب في ذباب الفاكهة (ذبابة الفاكهة الميلانوجاستر). باعتبارها كائنا نموذجيا قويا بعلم الأعصاب.
لذا قاموا أولاً بتعريض الخلايا للكلوروفورم، وهو مخدر قوي لم يعد يستخدمه الأطباء بسبب آثاره الجانبية الخطيرة. وراقبوا ما حدث باستخدام مجهر «قادر على تصور مجمعات بيولوجية أصغر من حدود حيود الضوء».
ووجدوا أن الكلوروفورم حوّل تنظيم التجمعات الدهنية في غشاء الخلية، من الكرات المعبأة بإحكام إلى هياكل شديدة الاضطراب.
لذا قامت الكتلة الدهنية بسكب محتوياتها، بما في ذلك إنزيم يسمى PLD2. وضع الفريق علامة على PLD2 بمادة كيميائية الفلورسنت حتى يتمكنوا من مشاهدتها وهي تتحرك بعيدًا عن مجموعة الدهون الأصلية.
ووجدوا أن الإنزيم استمر في تنشيط الجزيئات داخل مجموعات الدهون الأخرى، بما في ذلك قناة أيونات البوتاسيوم التي تسمى TREK1.
ويؤدي تنشيط هذه القناة الأيونية إلى «تجميد» الخلايا العصبية، بحيث لا يمكنها إطلاق إمكانات الحركة. وهذا يؤدي إلى فقدان الوعي.
النتائج
يشرح كبير الباحثين في الدراسة الدكتور سكوت هانسن، أن PLD2 مهم، ولكن ليس كل شيء.
وللتحقق من النتائج التي توصلوا إليها في الخلايا، أراد الباحثون دراسة نفس العملية في الحيوانات الحية. لذا قاموا بحذف جين الإنزيم الرئيسي، PLD2، في بعض الذباب.
ووجدوا أن الذباب من دون هذا الإنزيم كانوا أكثر مقاومة للكلوروفورم. ولقد احتاجوا تقريبًا ضعف كمية المخدر التي يحتاجها الذباب الطبيعي ليصبح مخدرًا.
هذا يدل على أنه على الرغم من أهمية PLD2 في توليد آثار التخدير، إلا أنها ليست الآلية الوحيدة في التخدير.
سبل جديدة للبحث
على الرغم من أن هناك الكثير ليكتشفه الباحثون، إلا أن هذه النتائج فتحت الأبواب للسماح بحدوث ذلك.
يقول الفريق إن الآليات الجزيئية المماثلة قد تفسر كيف ننام، وهو لغز رئيسي آخر لعلم الأعصاب الحديث. وربما يكون السؤال الأكبر هو لماذا تطورت هذه الآلية. فمن الواضح أن النظام لم يتطور لغرض التخدير، الذي طوره العلماء قبل 175 عامًا فقط.
يستمر البحث عن الجزيء الطبيعي الذي ينشط هذا المسار البيولوجي.
أول عرض ناجح لمخدر توليد فقدان الوعي كانت في عام 1846 في مستشفى ماساتشوستس العام في بوسطن.
تم تطوير النظام قبل 175 عامًا فقط.
يستمر إلى الآن البحث عن الجزيء الطبيعي الذي ينشط هذا المسار البيولوجي.