من أهم الابتكارات التي ابتدعها الإنسان هي الصورة للحصول على شكل متماثل لشيء معين، إما جسما أو شخصا، وذات بعدين أو ثلاثة، والتصوير من أقدم الفنون التي عرفها الإنسان وتعامل معها، وذلك للتعبير عن الواقع أو الخيال الذي جُبل عليه في تكوينه، ويُعتبر التفكير البصري كما عرَّفه «أونهايم»، أنه محاولة فهم العالم من خلال لغة الشكل والصورة، فالتفكير في الصورة يرتبط بالتفكير في الخيال الذي هو مصدر الإبداع والعطاء، والصورة وُجدت حيث وُجد الإنسان من عصر الكهوف إلى عصر التمدن الاجتماعي في التجمعات البشرية كافة، وأصبحت من أهم المراجع للباحثين لدراسة علم الأنثروبولوجيا.

ويُعرف إدوار هريو الثقافة بأنها (ما يبقى للإنسان عندما ينسى كل شيء)، فالصور البصرية تتميز بقابلية الاحتفاظ الطويل في الذاكرة، فالفرد قد ينسى كتابًا قرأه قبل سنة، ولكنه بالتأكيد لن ينسى مشهدًا بصريًا أو صورًا لمناسبات أو مناظر أو تفاعلات تمتلك قدرًا عاليًا من الجاذبية والأهمية قبل عشرات السنين، وقد يكون هو السر وراء حرص الإنسان عبر العصور على وجود الصورة في حياته، وتطوير أدواتها وتجسيد أفكارها من جيل إلى آخر في تسجيل وتوثيق ما انطبع في داخله، أو ما تمنى الحصول عليه.

نشر هربرت شيللر كتابا بعنوان «المتلاعبون بالعقول» عام 1973 يتحدث فيه عن التضليل الإعلامي، والوعي المعلب وصناعة المعرفة في الولايات المتحدة الأمريكية، وكيف يتم التحكم بالرأي العام، وأن صناعة التلاعب بالعقول تتم عن طريق خمس أساطير جرى ترويجها بعناية وذكاء، حتى باتت تلك الأساطير تُشكل الإطار التضليلي الذي يُوهم عُقولنا بالحقيقة، وواحد منها أسطورة التعددية الإعلامية، وهذه التعددية تعتمد بدرجة فائقة على الصورة أكثر من الخبر نفسه في توجيه الرأي والتحكم فيه نحو ما تُريد، والتي تقف خلفها مُؤسسات تجارية وسياسية وثقافية وعلمية، تخدم مصالحها وتقوي سيطرتها على المستهلكين.

ومع مطلع القرن الواحد والعشرين، أصبح إنتاج الصورة متاحا لجميع الأفراد، وجزءا من مواصفات أجهزتهم الذكية، وأداة مهمة لتوثيق الأحداث في عصر تقنية المعلومات وتكنولوجيا الاتصال والتواصل التي تعتمد عليها الحداثة المعاصرة في نشر قيمها العلمية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية والثقافية، وأن هذه التقنيات الجديدة تتمتع بقدرات تكنولوجية خارقة ومتعاظمة في سرعة نقل الصورة وتطورها وانتشارها، والحاجة إليها في التنميط الكوني للأجيال الصاعدة.

فالصورة الثابتة أو المتحركة لغة الإنسان المعاصر في اتصاله وتواصله مع المجتمع المحلي والخارجي، والبوابة الرئيسة لتلقي المعلومات وتخزينها وتحويلها إلى ثقافة سلوكية وقيم ومشاعر ومعتقدات، ويتحرك بها في العالم الافتراضي، في السوشيال ميديا أو في التفاعل مع الأحداث على أرض الواقع، كما أن الصورة هي الوسيلة الوحيدة التي يسعى لامتلاكها الاقتصاديون والرياضيون والسياسيون والمؤسسات الدينية والثقافية والاجتماعية والعلمية والأمنية؛ من أجل الوصول إلى أهدافهم وتحقيق غاياتهم من السيطرة والتبعية والثراء والتحكم والتنميط.

فالمتلاعبون بالصورة هم أولئك الذين يُتقنون فن التقاط زاوية المشهد وتنميطه وأدلجته وتوجيهه في قنوات الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، من إعلاميين متخصصين أو من هواة الشهرة والمال ورجال الدين والشعراء والكتاب وأصحاب العقائد، ومدارس الثقافة والفكر والسياسة والاقتصاد، كونهم أصحاب خبرة ودراية وحنكة، ولهم مُؤسسات تدعم توجهاتهم وأنشطتهم، فالحدث قد يكون واحدا أو مركبا، ولكن الزاوية التي يتم التقاط الصورة منها مختلفة، وهذه الزاوية لديها القدرة على تشكيل الوعي وخلق المُسلمات، وتكوين القناعات وتباين الرُؤى وفرض الحقيقة وإدارة الصراعات بما يُؤدي إلى تكريسها في العقل البشري، فالمهمة الكبرى التي تقع على عاتق المُتلقي هي تدوير الصورة من جميع زواياها أكثر من رفضها، فالمتلاعب في زاوية الصورة قد يفوته في بعض ثناياها ما يجعل التفكير البصري قادرا على استنتاج التنميط والأدلجة ورفضها، فالمسألة لا تكمن في أخذ المواقف من المتلاعبين بالصورة ثقافيا بل في المحتوى، وأسلوب التعاطي إزاء تحديات استغلالها.