كان السؤال بسيطاً، لكنه حمل في طياته كل ما يمكن أن يشعر به طفل يرى العالم لأول مرة من نافذة الأخبار. في تلك اللحظة أدركت أن الحرب لا تصل إلى المدن فقط، بل تصل أيضاً إلى العقول الصغيرة التي لم تتعلم بعد كيف تفسر ما يحدث حولها.
هذه اللحظة الصغيرة تعكس جانباً غالباً ما يغيب عن النقاشات السياسية والعسكرية: الأثر النفسي للحروب.
ففي زمن الحرب لا يكون الخطر مقتصراً على الجغرافيا التي تقع فيها المعارك. الأخبار، والصور، ومقاطع الفيديو، تنتقل بسرعة غير مسبوقة لتصل إلى ملايين الناس الذين يعيشون بعيداً عن ساحات القتال. ومع هذا التدفق المستمر للمعلومات، تصبح الحرب تجربة نفسية يعيشها كثيرون حتى وإن لم يكونوا جزءاً مباشراً منها.
الدراسات النفسية تشير إلى أن التعرض المستمر لأخبار الحروب قد يؤدي إلى ارتفاع مستويات القلق والتوتر، خاصة لدى الأطفال. فهم لا يمتلكون دائماً القدرة على التمييز بين القريب والبعيد، ولا بين الاحتمال والواقع. ما يرونه على الشاشة قد يتحول بسهولة إلى خوف حقيقي في أذهانهم.
لكن التأثير لا يقتصر على الأطفال وحدهم. فالكبار أيضاً قد يشعرون بما يمكن وصفه بـ»الإجهاد النفسي غير المباشر». متابعة الأخبار بشكل متكرر، والتعرض المستمر لمشاهد الدمار، يمكن أن يخلق شعوراً دائماً بالتهديد وعدم الاستقرار.
ويزداد هذا الأثر تعقيداً في زمن وسائل التواصل الاجتماعي. ففي الماضي، كانت الحروب تصل إلى الناس عبر نشرات محددة وأوقات معروفة، أما اليوم فهي تتسلل إلى الهاتف في كل لحظة. مقطع قصير، صورة دامية، تعليق غاضب، أو إشاعة غير مكتملة، كلها قد تصل إلى الطفل قبل أن تصل إلى والديه.
الأخطر من ذلك أن المنصات الرقمية تعمل بمنطق الجذب والانتشار. فكلما كان المحتوى أكثر إثارة للصدمة، زادت احتمالات ظهوره وتداوله. وبهذا يجد الإنسان نفسه محاطاً بخوارزميات تضخم القلق أكثر مما تشرح الحقيقة. أما الطفل، الذي لا يملك بعد أدوات التمييز بين المعلومة والانفعال، فقد يستقبل هذا الفيض الرقمي كتهديد شخصي مباشر، حتى لو كان بعيداً عن موقع الحرب بآلاف الكيلومترات.
ثم يأتي دور الذكاء الاصطناعي ليضيف طبقة جديدة من التعقيد فالمشكلة أصبحت في صعوبة التحقق. في زمن المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، يمكن لصورة مفبركة أو مقطع غير حقيقي أن يبدو مقنعاً بما يكفي لإثارة الذعر، وتغذية الخوف الجماعي. وهنا يصبح العبء النفسي مضاعفاً خوف من الحدث نفسه، وخوف من عدم القدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل.
المفارقة أن العالم اليوم أكثر اتصالاً من أي وقت مضى، وهذا الاتصال يجعلنا شهوداً على الأحداث لحظة بلحظة. إلا أن هذا القرب الرقمي من الأزمات قد يحمل معه عبئاً نفسياً لم نعتد عليه في الماضي. وهنا تبرز أهمية الوعي بالصحة النفسية في زمن الأزمات. فالخوف شعور طبيعي، لكن الطريقة التي نتعامل بها معه هي ما يصنع الفرق. بالنسبة للأطفال، يحتاج الأمر إلى قدر من الطمأنة والشرح الهادئ. الطفل لا يحتاج إلى تفاصيل الحرب إنما إلى الشعور بالأمان.
أما بالنسبة للكبار، فإن التوازن في متابعة الأخبار يصبح أمراً ضرورياً. ليس المطلوب تجاهل الواقع، لكن من المهم أيضاً حماية المساحة النفسية التي نعيش فيها. فالعقل البشري لم يصمم ليتعرض بشكل متواصل لمشاهد الخطر والقلق. الحروب في نهاية المطاف تجارب إنسانية تترك آثارها في النفوس قبل أن تظهر في الأرقام والإحصاءات. ولهذا أصبحت الصحة النفسية جزءاً أساسياً من الحديث عن آثار الحروب في المجتمعات.
في تلك الليلة، حاولت أن أجيب عن سؤال ابني بهدوء. أخبرته أن العالم يمر أحياناً بأوقات صعبة، لكن هناك أيضاً الكثير من الناس الذين يعملون من أجل السلام وقيادتنا في مقدمتهم، وأنه بإذن الله آمن في وطنه وبيته وبين أسرته.
ابتسم قليلاً، وعاد إلى ألعابه.
لكنني أدركت أن الحرب، حتى عندما تكون بعيدة، يمكن أن تترك ظلالها في أماكن لم نكن نتوقعها: في أسئلة طفل صغير يحاول أن يفهم العالم.