يعتمد المقال تأصيلا فلسفيا يجمع بين التراث الإسلامي والفكر الوجودي ونظريات المكان، مع الاستدلال القرآني، وصولًا إلى نموذج تكاملي يعيد تعريف العمارة بوصفها تجربة إنسانية لا مجرد تشكيل بصري.
شهدت العمارة الحديثة اضطرابًا مفاهيميًا في الحكم الجمالي، حيث طغى المظهر على الماهية، وأصبح التقييم يعتمد على الصورة أكثر من الحقيقة. وقد أدى ذلك إلى بروز إشكالية مركزية: هل العمارة تُقاس بجمالها أم بحُسنها؟
يفترض المقال أن أصل الإشكال ليس في الإجابة، بل في عدم التمييز بين المفهومين؛ إذ اختلط الحُسن بالجمال، والزينة بالحقيقة، مما أدى إلى انحراف في معايير التقييم المعماري.
أولًا: الإطار المفاهيمي
الحُسن هو قيمة جوهرية ثابتة، ترتبط بملاءمة الشيء لغايته، وصدق تكوينه، وتوافقه مع فطرة الإنسان واحتياجاته. فهو يتعلق بالوظيفة، والتناسب الحقيقي، والراحة، والعدل في توزيع الكتل والفراغات. والحُسن بهذا المعنى ليس شكلًا، بل حقيقة.
أما الجمال فهو ما يُدرك بالحواس، بخاصة البصر، ويتعلق بالشكل واللون والإيقاع. وهو متغير بطبيعته، يخضع للثقافة والزمن والذوق، ولذلك لا يمكن اتخاذه معيارًا مطلقًا.
أما الزينة فهي الجمال الإضافي، أي ما يُضاف إلى الشيء لتحسين صورته، كالتزيين والزخرفة. وهي ليست جوهرًا، بل قد تكون إما خادمة للحُسن أو حجابًا عنه.
ثانيًا: التأصيل القرآني للجمال والبهجة
يقول الله تعالى:
{أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ}
تكشف هذه الآية عن بنية جمالية عميقة يمكن فهمها على ثلاثة مستويات متتابعة:
فالخلق الإلهي للسماوات والأرض يمثل الحُسن من حيث الإتقان والملاءمة، والحدائق تمثل الجمال من حيث الصورة الحسية،
أما البهجة فهي الأثر النفسي الناتج عن هذا الجمال.
ومن هنا يتبين أن الجمال في المنظور القرآني ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لإحداث أثر في النفس. فإذا تحقق هذا الأثر كانت بهجة، وإذا غاب دلّ على خلل في العلاقة بين الصورة والحقيقة.
ثالثًا: الشعور والتذوق .. الجسر بين الجمال والحُسن
الشعور هو الاستجابة الوجودية الأولى التي تصدر عن الإنسان عند إدراكه للمكان. وهو سابق على التحليل العقلي، ويكشف عن العلاقة المباشرة بين الإنسان والحيز المعماري. فقد يشعر الإنسان بالطمأنينة أو الضيق أو الانتماء قبل أن يفسر ذلك عقلانيًا.
أما التذوق فهو ملكة مركبة، تتكون من الخبرة والثقافة والوعي، ويُستخدم للحكم على الجمال. وهو ليس مجرد رأي شخصي، بل عملية إدراكية تتأثر بالتكوين المعرفي للفرد.
وينقسم التذوق إلى نوعين: تذوق فطري يميل إلى التوازن والانسجام ويرتبط بالحُسن، وتذوق مكتسب قد ينحرف نتيجة الاعتياد على الغرابة أو الانبهار بالصدمة البصرية. وهنا تظهر إشكالية القياس الفاسد، حين يُظن أن كل غريب جميل، وليس كل جميل غريب.
رابعًا: العمارة بوصفها سكنًا (البعد الوجودي)
يرى مارتن هايدغر أن البناء في حقيقته هو السكن، أي إن العمارة ليست مجرد إنشاء مادي، بل هي تحقيق لوجود الإنسان في العالم. فالمكان لا يُفهم بوصفه حيزًا، بل بوصفه مجالًا للانتماء.
وبهذا يصبح الحُسن مرتبطًا بقدرة المكان على احتواء الإنسان وجوديًا، لا مجرد تنظيمه وظيفيًا.
خامسًا: روح المكان والانتماء
يؤكد كريستيان نوربيرغ-شولتز أن السكن يعني الانتماء إلى مكان، ويطرح مفهوم "روح المكان" بوصفه العلاقة التي تنشأ بين الإنسان وبيئته.
فالعمارة الناجحة ليست التي تُرى فقط، بل التي تُشعر الإنسان بأنه ينتمي. ومن هنا يصبح الهدف الحقيقي للعمارة هو توليد هذا الانتماء، لا مجرد إنتاج شكل بصري.
سادسًا: النموذج التكاملي للوعي الجمالي
يمكن فهم التجربة المعمارية بوصفها سلسلة متتابعة من المراحل:
يبدأ الإنسان بإدراك الجمال عبر الحواس، فيرى الشكل واللون والتكوين. ثم يتحول هذا الإدراك إلى شعور داخلي، فيشعر بالراحة أو النفور أو الانتماء. بعد ذلك يتدخل العقل ليحكم على الحُسن، فيقيّم مدى ملاءمة المكان وصدقه. وأخيرًا، إذا تكررت التجربة وترسخت، تتحول إلى ذاكرة مكان، فيصبح المكان جزءًا من هوية الإنسان.
سابعًا: ذاكرة المكان... الحصيلة النهائية
المكان لا يُحفظ في الذاكرة عبر صورته فقط، بل عبر الشعور الذي يولّده. فقد يُنسى مكان جميل لم يترك أثرًا، بينما يظل مكان بسيط خالدًا لأنه أحدث شعورًا صادقًا.
ومن هنا يمكن القول إن ذاكرة المكان هي ذاكرة شعورية في جوهرها، وأن نجاح العمارة يُقاس بقدرتها على إنتاج هذا الأثر العميق.
ثامنًا: نقد العمارة المعاصرة
يمكن تفسير انحراف العمارة الحديثة من خلال تقديم الجمال على الحُسن. فقد جمدت بعض المدارس الحُسن في أشكال ثابتة، بينما ألغت أخرى البعد الجمالي، وانزلقت مدارس لاحقة إلى اللعب الشكلي أو الصدمة البصرية.
والنتيجة، عمارة قد تُبهر العين، لكنها لا تُقنع العقل، ولا تُسكن النفس، ولا تُنتج ذاكرة.
يخلص هذا المقال إلى أن الحُسن هو الحقيقة الثابتة المرتبطة بوجود الإنسان، وأن الجمال صورتها المتغيرة، وأن الشعور هو التجربة التي تربط بينهما، وأن ذاكرة المكان هي الأثر النهائي لهذه العملية.
وعليه، فإن العمارة الحقّة ليست ما يُرى فقط، بل ما يُعاش، ثم يُتذكَّر. فإذا انفصل الجمال عن الحُسن صار زخرفًا زائفًا، وإذا تجرد الحُسن من الجمال صار معنىً صامتًا، أما إذا اجتمعا في تجربة شعورية صادقة، نشأت العمارة التي ينتمي إليها الإنسان.