لفظة الفلسفة في العربية تستعمل ترجمة للكلمة اليونانية philosophia (فيلوسوفيا) وهي مركبة من جزأين: philo محبة أو طلب وكلمة Sophia وتعني الحكمة. فيكون المعنى الحرفي لها محبة الحكمة أو طلب الحكمة. والتعريف الحرفي لها بمحبة الحكمة أو طلب الحكمة يبدو مضللا باعتبار مفهوم الحكمة صفة بشرية تتعامل مع الظواهر والأفكار بالعقل والتأمل ودون اللجوء لكتاب سماوي يؤيدها.
سوف نكتفي في مقالنا بالجزء الثاني من مصطلح Philosophia وهي كلمة (Sophia) التي لا تعني بطبيعة الحال الحكمة النظرية أو التأمل الفلسفي في الظواهر والأفكار. وكلمة صوفيا لو أردنا تتبعها تاريخيا وثقافيا فالأمر أعمق من مجرد ترجمتها إلى الحكمة. أو جعلها مرادفة للذكاء والمعرفة والتفكير الناقد.
الحكمة (Sophia) ليست مجرد قدرة عقلية إنسانية يشترك فيها كل البشر بمختلف ثقافاتهم وأديانهم. فهي عند الشعوب اليونانية لا تفهم فقط كصفة إنسانية عادية بل كقوة إلهية فاعلة فهي تحمل مضامين دينية عميقة وتمارس كحركة خلاصية أي أنها طقوس دينية ووسيلة لتحقيق الخلاص. والحكمة هنا ليست جوهر مستقل بل نتاج تلفيقي ما وخليط من ثقافات هيلينية وبابلية ومصرية وهندية. وفي بعض الثقافات القديمة تعامل sophia باعتبارها ذات صفات وطبيعة إلهية وهذا أقوى حضور ديني أسطوري لها في التاريخ.
هنا تبدو الفلسفة ذات معنى ديني وغيبي لامتلاك الحكمة عند الشعوب اليونانية وفي الغنوصية نجد صوفيا شخصية كاملة ضمن الأسطورة الدينية وتظهر ككائن سماوي أو إنبثاق إلهي له قصة ودور محدد في نشأة الكون ويمكن لصوفيا أن تتخذ صورا متعددة بوصفها نورا إلهيا أو عقلا كونيا أو كلمة إلهية، بمعنى أن الإنسان وفق المعتقدات اليونانية القديمة عندما يقوم بفعل التفلسف فإنه يمارس طقوسا دينية تجعله في حالة أشبه بالاتحاد بما هو إلهي ومقدس. صوفيا ترى غالبا كشيء مقدس وكوني وقريب من عالم الآلهة وليست مجرد ذكاء وتفكير ناقد أو مهارة تحليلية ومنهج استدلالي.
صوفيا رمز درامي للمعرفة الإلهية والسعي لاستعادتها إنها أقرب للمعرفة السرية والطقوس الروحية والتأملات اللاهوتية التي لا يمكن إخراجها عن سياقاتها الثقافية أو معاملتها بوصفها مشترك إنساني لا ديني وعقلاني. فالحكمة عند بعض المدارس اليونانية هي طقوس تمزج بين المعرفة والتطهر الروحي والخلاص وليست مجرد اكتساب معرفة وإشباع فضول أو بناء حجج عقلية إنها ممارسة طقسية تحرر الإنسان من عالم الحواس وتنقله إلى العالم الإلهي عالم المُثُل العالم الروحاني المتحرر من عالم المادة الأدنى.
الفلسفة عند أفلاطون تحررك من أسر الظواهر الحسية وتنقلك من عالم المادة المحسوس والناقص والمتغير والزائل وتنقلك إلى عالم المُثُل والحقائق الإلهية الكاملة. المعرفة عند أفلاطون ليست مجرد جمع معلومات وتكوين براهين إنها تحرير من أوهام العالم المادي وارتقاء روحي من المحسوس إلى المعقول. ممارسة الحكمة عند الشعوب اليونانية أٌقرب إلى الاستعداد للموت من خلال الهيمنة على رغبات الجسد وشهواته حتى تتمكن النفس من إدراك الحقائق الإلهية.
الفلسفة رحلة ارتقاء روحي من ظلام إلى تحرر ثم صعود ورؤية النور ثم العودة إلى هداية الناس إنها أقرب لمفاهيم الكشف والتجلي وسرديات هداية الناس. إنها عند الشعوب اليونانية تؤدي وظيفة قريبة من وظيفة المقدس في الأديان السماوية. فكثير من المعتقدات الفلسفية تؤمن بمركزية النفس وفكرة التطهير والحياة الفلسفية كأسلوب للارتقاء الروحي فالفيلسوف رجل دين صاحب عقيدة خلاصية يعتقد أنه يحمل أسرارا باطنية لا يدركها إلا المختارين.
الفلسفة تاريخيا لم تكن نشاطا عقليا محضا بل امتداد لمفهوم ديني- خلاصي. الفلسفة اليونانية لم تعش في بيئة لا دينية ولم تفترض أن العقل يجب أن يعيش في فضاء منفصل تماما عن الأسئلة المقدسة أو الغيبية ولكن الحداثة الأوروبية اليوم نزعت عنها أبعادها ومضامينها الدينية وقدمتها للعالم بوصفها عقلانية كونية. وهذا ما جعل الفلسفة غامضة وعصية على التعريف.