ولكن ما يستحق الدراسة والتأمل أكثر من النظام نفسه هو انجذاب الجماهير إليه وانتشاره بهذا الشكل الواسع.
فالظاهرة في حد ذاتها تستحق أن تدرس من زاوية علم النفس والاجتماع أكثر مما تستحق أن تدرس من الزاوية الغذائية.
وأعتقد أن هناك عدة عوامل اجتمعت معا وأسهمت في هذا الانتشار.
أول هذه العوامل هو عامل الغرابة والمخالفة، فالدماغ البشري يلتفت إلى الأفكار غير المألوفة أكثر من الأفكار التقليدية.
ولهذا نجد أن النظريات الغريبة والأنظمة الغذائية غير المعتادة والقصص الخارجة عن المألوف تحظى غالبا باهتمام أكبر من الأفكار السائدة.
العامل الثاني هو الأمل، والشخص الذي يعاني من السمنة أو السكري أو أي مرض مزمن يكون مستعدا للاستماع إلى أي طرح يخبره أن الحل أبسط مما يقوله الأطباء والعلماء، وأن الطريق أقصر مما يظن.
وفي كثير من الأحيان يتعلق الإنسان بمثل هذه الوعود كما يتعلق الغريق بقشة.
العامل الثالث هو الرخص الكثيرة التي قدمها البرنامج، والتي تغري كثيرا من المحرومين والممنوعين منها.
وقد قيل قديما إن الفقيه يشتهر إذا ألغى أحد الفروض على الناس!
العامل الرابع هو الدين. فقد استفاد النظام من الرمزية الدينية ابتداء من الاسم نفسه، مرورا بالاستدلالات على بعض رخصه التي صبغها بالطابع الديني.
والدين يملك تأثيرا هائلا على الناس، ولذلك فإن أي مشروع أو تاجر ينجح في ربط نفسه بالدين يحصل تلقائيا على قدر إضافي من الثقة والقبول، وهي حيلة ليست رائجة وناجحة في سوق السياسة فقط.
العامل الخامس هو شخصية الدكتور العوضي رحمه الله.
فقد كان يمتلك قدرة عالية على المحاججة والإقناع، ويبدو أن جزءا من هذه القدرة يعود إلى اقتناعه الشخصي العميق بما يطرحه.
فالناس تتأثر بالشخص المؤمن بفكرته أكثر من تأثرها بالشخص الذي يردد معلومات حفظها فقط.
أما العامل السادس فهو ما يعرف علميا بتأثير البلاسيبو، أو العلاج الوهمي.
والبلاسيبو من أغرب الظواهر التي اكتشفها العلم الحديث.
ففي كثير من التجارب الطبية يتحسن جزء من المرضى رغم أنهم لم يتلقوا أي مادة علاجية فعالة، بل مجرد حبوب أو إجراءات صممت لتشبه العلاج الحقيقي.
وقد اشتهر بين الباحثين لسنوات طويلة أن نحو 30 % من المرضى قد يظهرون درجة من التحسن بسبب هذا التأثير وحده، وقد تصل النسبة في بعض الحالات إلى 40 % أو أقل أو أكثر، تبعا لطبيعة المرض ونوعية الأعراض وتصميم الدراسة العلمية، بمعنى أن نتائج إيجابية قد تظهر على نسبة من الناس الذين يعتقدون أنهم تلقوا علاجا حقيقيا، وهم في الحقيقة تناولوا علاجا وهميا لا يحتوي على شيء.
ولهذا السبب، في الحقل العلمي، لا يكفي أن يقول مئة شخص أو ألف شخص إنهم استفادوا من دواء أو برنامج غذائي معين حتى يحقق كامل المعايير العلمية.
فالسؤال الذي يطرحه الباحثون ليس كم شخصا تحسن فحسب؟
بل: هل تحسنوا بدرجة تفوق ما يمكن أن يحققه تأثير البلاسيبو وحده؟
وهل يمكن تكرار النتائج نفسها عند فحصها بصورة محايدة؟
وكم نسبة الذين تأثروا سلبا؟
وما هي طبيعة وخطورة هذه التأثيرات؟
وباقي الشروط الدقيقة في هذا المجال.
ولهذا لا تمنح الجهات العلمية والترخيصية اعتمادها لأي علاج أو دواء أو برنامج صحي لمجرد وجود قصص نجاح فردية، بل بعد إثبات أن نتائجه تتجاوز بوضوح ما يمكن أن ينتجه تأثير البلاسيبو أو الصدفة أو العوامل الأخرى.
ومن هنا تأتي أهمية البحث العلمي.
فالطب الحديث لا يهتم فقط بكم شخص تحسن؟ بل يهتم أيضا بكم شخص لم يتحسن؟ وكم شخصا تضرر؟ وما نسبة الآثار الجانبية؟ وهل النتائج أفضل من البلاسيبو؟ وهل يمكن تكرار النتائج نفسها على مجموعات أخرى من الناس؟
أما الأنظمة التي لا تخضع لهذه المعايير فإنها تركز غالبا على قصص النجاح، بينما لا تملك بيانات دقيقة عن حالات الفشل أو الضرر أو الأشخاص الذين لم يحصلوا على أي فائدة.
وهناك خطأ شائع آخر يقع فيه الناس كثيرا عند تقييم البرامج الصحية، وهو النظر إلى طرف واحد من المعادلة وإهمال الطرف الآخر.
فعندما يقول شخص إنه يأكل الوجبات السريعة ويتمتع بصحة جيدة، فإن هذا لا يثبت أن الوجبات السريعة غير ضارة للجميع فقد يكون هذا الشخص يتمتع بجينات جيدة أو بنشاط بدني مرتفع أو بعوامل أخرى لا تتوفر عند غيره. وحتى لو كان بصحة جيدة الآن، فربما كان سيكون بحالة أفضل لو اتبع نمطا غذائيا صحيا.
والأهم أن نجاح برنامج أو شيء مع أحد لا يعني أنه سوف ينجح مع الآخر ، لأن الناس تختلف وتتباين فيما يخص طبيعة أجسامها.
ولهذا فإن التجارب الفردية، مهما كانت صادقة، لا يمكن أن تحل محل الدراسات العلمية الواسعة. فالعلم لا يحكم من خلال حالة واحدة أو عشر حالات أو مئة حالة، بل من خلال مقارنة آلاف الحالات ومحاولة عزل العوامل المختلفة للوصول إلى أقرب صورة ممكنة للحقيقة.
وعليه، فعندما تجتمع هذه العوامل كلها في فكرة واحدة فإنها تصبح قادرة على اجتذاب أعداد كبيرة من الناس حتى في عصر المعرفة المفتوحة وهذا ما حصل مع نظام الطيبات ولكن هذا لا يعني أن كل مافيه خاطئ ففيه أجزاء تتوافق مع ما ثبت علميا وما هو معمول به ومُقر في المراكز الطبية العلمية
ونسأل الله السلامة للجميع وندعوا إلى استقاء المعلومات من أهل الاختصاص.