كأس العالم لكرة القدم مناسبة، طقس، عيد، احتفال، عرس، سمه ما شئت لمليارات البشر في شتى أنحاء المعمورة. وبقدر عدد هؤلاء المليارات فردا فردا تتعدد الآراء حوله، ولكل إنسان رجلا كان أم امرأة، طفلا كان أم شيخا، مهتما بالكرة أم غير مهتم، كأس عالمه الخاصة به. في محفل كهذا تجاوز كأس العالم دوره كحدث رياضي يتكرر كل أربع سنوات إلى ظاهرة كروية اجتماعية على مستوى العالم، يتجاوز حدود الكرة إلى عالم السياسة والمال والاقتصاد وكل جوانب الحياة المعاصرة اليوم.

عاش العالم أجواء المونديال بمشاعر وأمنيات وطموحات شتى. البعض فرح بمستوى فريقه والآخر حزن للسبب نفسه. على مدى خمسة أسابيع توقفت حركة الناس اليومية الاعتيادية. لا أحد يهتم بالسياسة ولا بالاقتصاد ولا بالفن ولا بأي شيء آخر، الكل يعلق مشاريعه إلى أن تنتهي حمى الكأس. حدث بهذه الأهمية تقف وراءه منظمة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) التي أصبحت جهازا إداريا ذا قدرات مالية جبارة، جعلت من كأس العالم أكثر من مجرد لعبة. أنظر فقط إلى الأجواء المصاحبة لكل مباراة، وعددها 104 في هذه النسخة، بعد زيادة أعداد الدول المشاركة لـ48 دولة لأول مرة: أعلام الدول وأحجامها الاستثنائية، السلام الوطني لكل دولة، الجماهير المليونية، استعراض أهم معالم كل دولة. بدا كأس العالم في هذه النسخة استعراضا فنيا وثقافيا يتجاوز بكثير مجرد كونه حدثا رياضيا، وقد أضفت عليه الأجواء الأمريكية المغرمة بالأكشن مزيدا من الأثارة والمتعة.

كأس العالم للبلد المنظم مناسبة لعرض ما لديه للعالم. وفي هذا المونديال أبهرت أمريكا (أكثر بكثير من كندا والمكسيك رغم تاريخية ملعب الأزيتيك المكسيكي) العالم بملاعبها التي يعتبر كل منها ليس مجرد ملعب مغلق للمشاهدة، بل امتداد للحياة الحضرية الأمريكية التي تقدس العمل في كل مناحي الحياة، ما يجعل من كل ملعب بناء متفردا في حد ذاته في عمارته، وفي فعالياته، وهو ما يستوجب الحديث عن بعض هذه الملاعب في مقال قادم.


في هذه النسخة تحديدا من كأس العالم - التي شهدت تأهل ثمانية فرق عربية - قدمت لنا كعرب دروسًا وعبرًا، وهي أن المسافة بين مستوى الكرة العربية والعالمية، تقاس بالسنين الضوئية على كل المستويات. في إعداد المنتخبات الوطنية فنيًا ومهاريًا وإداريًا وكل ماله علاقة بكرة القدم. هذه حقيقة معروفة لكل منتخب عربي. انظر لمنتخب تونس الشقيق الذي أبهر العالم في مونديال 1978 عندما هزم المكسيك بثلاثية تاريخية. وانظر إلى حال منتخبها الآن الذي ربما كان الأضعف في قائمة الـ48 فريقا، لا ينافسه إلا بقية الفرق العربية التي غادرت البطولة من أول جولة، وبأرقام مخيفة في الهزيمة والانكسار. وتبقى المغرب استثناء لذلك.

لا يمكن الحديث عن كأس العالم، دون الحديث عن مباراة مصر والأرجنتين في دور الـ16. المبارة كانت بطولة لوحدها. في آخر ظهور لها في مونديال 2018 في روسيا خرجت مصر من الدور الأول، غير أنها في هذه الدورة أثبتت ألا مستحيل في كرة القدم. على مدى ساعة ونصف حبس المصريون والعرب والأفارقة وكل العالم أنفاسهم، ليشهدوا مباراة استثنائية لأكثر من سبب. التقدم على بطل العالم بهدفين إلى ما قبل نهاية المبارة بـ12 دقيقة فقط، ملابسات التحكيم التي صاحبت المبارة والتي ألقت بظلالها ليس فقد على هذه المباراة، بل على نزاهة التحكيم برمته في هذه الدورة، وانهيار الفريق في آخر ربع ساعة من زمن المباراة جعلت منها مباراة لا تنسى لفترات طويلة قادمة.

انقضت أكبر نسخة في تاريخ كأس العالم وأصبحت من الماضي. فازت إسبانيا لأن لديها ربما الدوري المحلي الأفضل في العالم، لا ينازعها في ذلك سوى إنجلترا - مهد اللعبة - التي لا أحد يعلم سبب نحسها الأبدي في المحافل الدولية! ربما بسبب حصولها بطريقة غير حاسمة على الكأس عام 1966. كأس العالم درس في الجغرافيا فلم يسمع كثير من الناس بـ«الرأس الأخضر» إلا من هذه النسخة. رقصة «مجدفي الفايكنغ» التي صاحبت فريق النرويج فاكهة البطولة. الإخفاق المتكرر للمنتخبات الإفريقية في الحفاظ على تقدمها دائما أمام الفرق الأوروبية. وتبقى خيبة وانكسار المشجعين بعد إلغاء بعض الأهداف بعد العودة إلى الـ«فار» وقانون التسلل الذي أفسد متعة اللعبة.

نحن هنا على موعد مع استضافة العالم بعد ثماني سنوات في نسخة مماثلة. قد يبدو الوقت مبكرا جدا للحديث عن ذلك، لكن تنظيم عرس كروي على مستوى كأس العالم يتطلب عملا دؤوبا على مدار الساعة فلنبدأ من الآن.

نحن على موعد بعد ثماني سنوات في نسخة مماثلة، لكن تنظيم عرس كروي على مستوى كأس العالم يتطلب عملا دؤوبا على مدار الساعة