ماذا فعلت بزاهد متعبد؟!

قال الأصمعي: قدم عراقي بعدل من خُمُر العراق إلى المدينة، فباعها كلها إلا السود، فشكا ذلك إلى الدارمي، وكان قد تنسك وترك الشعر ولزم المسجد، فقال: ما تجعل لي على أن أحتال لك بحيلة حتى تبيعها كلها على حكمك؟ قال: ما شئت! فعمد الدارمي إلى ثياب نُسُكه، فألقاها عنه، وعاد إلى مثل شأنه الأول، وقال شعرا رفعه إلى صديق له من المغنين، فغنى به، وكان الشعر:

قل للمليحة في الخمار الأسود

ماذا فعلت بزاهد متعبد

قد كان شمر للصلاة ثيابه

حتى خطرت له بباب المسجد

ردي علیه صلاته وصيامه

لا تقتليه بحق دین محمد

فشاع هذا الغناء في المدينة، وقالوا: قد رجع الدارمي، وتعشق صاحبة الخمار الأسود، فلم تبق مليحة بالمدينة إلا اشترت خمارا أسود، وباع التاجر جميع ما كان معه، فجعل إخوان الدارمي من النساك يلقون الدارمي فيقولون: ماذا صنعت؟ فيقول: ستعلمون نبأه بعد حين، فلما بيع ما كان مع البائع رجع الدارمي إلى نسكه ولبس ثيابه!