كان محمد بن عائشة من أحسن الناس غناء، وأنبههم فيه، وأضيقهم خلقا: إذا قيل له غن، يقول: أو لمثلي يقال هذا؟ على عتق رقبة إن غنيت يومي هذا! فإن غنى وقيل له: أحسنت، قال: ألمثلي يقال أحسنت؟ على عتق رقبة إن غنيت سائر يومي هذا. وفي يوم سال وادي العقيق، فجاء بالعجب، فلم يبق بالمدينة أحد إلا خرج يبصره، وكان فيمن خرج ابن عائشة المغني، وهو معتجر بفضل ردائه، فنظر إليه الحسن بن الحسن بن على بن أبي طالب وبين يديه أسودان كأنهما ساریتان يمشيان أمام دابته، فقال لها: اذهبا إلى الرجل المعتجر بفضل ردائه فخذا بضبعيه، فإن فعل ما آمره به، وإلا فاقذفا به في العقيق.
فمضيا والحسن يقفوهما، فلم يشعر ابن عائشة إلا وهما آخذان بضبعيه، فقال: من هذا؟ فقال له الحسن: أنا هذا يابن عائشة، قال: لبيك وسعديك! وبأبي أنت وأمي! قال: اسمع مني ما أقول، واعلم أنك مأسور في أيديهما، فغن مائة صوت أو يطرحاك في العقيق، وإن لم يفعلا ذلك لأقطعن أيديهما!
فصاح ابن عائشة: يا ويلاه! واعظیم مصيبتاه! قال: دع صياحك، قال: اقترح، وأقم من يحصى؛ وأقبل يغني، فترك الناس العقيق؛ وأقبلوا عليه؛ فلما تمت أصواته مائة كبر الناس بلسان واحد تكبيرة واحدة، ارتجت لها أقطار المدينة، وقالوا للحسن ما اجتمع لأهل المدينة سرور قط إلا بكم أهل البيت. فقال له الحسن: إنما فعلت هذا بك يابن عائشة لأخلاقك الشكسة، قال له ابن عائشة: والله ما مرت علي مصيبة أعظم منها. فكان ابن عائشة بعد ذلك إذا قيل له: ما أشد مامر عليك؟ قال: يوم العقيق.