وعلى ضعف توثيق قصص بطولات السعوديين في حرب 1948، وما تلاها من حروب عربية، قدموا فيها كثيراً من التضحيات، إلا أن هذه القصص ما زالت حية في أذهان كثيرين، تدعمها وثائق عدة في صحيفة «أم القرى» وصحيفة «الأهرام» المصرية، و«دار المحفوظات» المصرية، والمركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات.
وثائق التاريخ
كتب قائد عام القوات المصرية في فلسطين اللواء أركان حرب أحمد علي المواوي مذكرة محفوظة في «دار الوثائق المصرية» تشيد ببسالة الجيش السعودي، ووقفة عناصره في المعركة، وطالب بتكريمهم، وكتب «أرى أنه من باب المجاملة للدولة الوحيدة التي اشتركت معنا اشتراكاً واقعياً بجيشها أن نكافئ رجالها الذين اشتركوا وامتازوا في الميدان أسوة برجالنا. لقد أرسلت الحكومة السعودية أخيراً 6 سرايا جديدة بأسلحتها».
ولعدم تجاوز البروتوكول طلب اللواء المواوي من القائد السعودي للقوات المشتركة في الحرب سعيد كردي أخذ إذن بتكريم من كانوا تحت قيادته، فجاء الرد ببرقية من الملك عبدالعزيز إلى الكردي بقبول كل المكافآت عدا الترقيات والأموال.
وقالت وثيقة مرفوعة إلى رئاسة الأركان المصرية عن القوات السعودية، «لم يفت هذا الواجب المقدس عاهل الجزيرة العربية فبعثت الحكومة السعودية، بقوة عسكرية لتعمل مع الجيش المصري ووصلت هذه القوة مدينة غزة يوم 25 مايو سنة 1948 أي بعد بدء القتال بـ10 أيام... الروح المعنوية السائدة بين هذه القوات روح عالية فكلهم متشوقون للقتال ومؤمنون بالقضية العربية يدفعهم إلى ذلك شعور ديني».
وأوردت مصادر رسمية أن عدد القوات السعودية النظامية المشاركة بالدفاع عن فلسطين بلغ 3200 فرد وضابط كانوا بقيادة العقيد سعيد الكردي ونائبه وكيل القائد عبدالله بن نامي.
أرشيف الذاكرة
يسرد مهندس الطائرات فؤاد الحربي الشغوف بحب التاريخ السعودي لـ«الوطن» قصة ضابطين سعوديين نفذا مهمة إنقاذ مع 32 جندي داخل مستعمرة «بيرون إسحاق»، الأول سعد بن سرحان العتيبي، والثاني غازي بن محمد الطائفي رحمهما الله، نقلاً عن ابنيهما علي بن سعد بن سرحان، وفراس بن غازي الطائفي اللذين رويا القصة نقلا عن والديهما.
وتبدأ القصة حين باشرت القوات السعودية القتال جنبا إلى جنب مع القوات المصرية، وكان المعسكر السعودي مواجها لمستعمرة «بيرون إسحاق» التي تؤمن 3 قرى أخرى بالماء، وكان السجال بين القوات المصرية والصهاينة على هذا الموقع، حيث تقرر طرد الصهاينة منه وقطع مصدر المياه، وتم تشكيل عدة كتائب وفصائل اقتحام من قبل القائد سعيد الكردي للهجوم على المستعمرة.
وكان على إمرة أحد فصائل الاقتحام المكونة من 32 جنديا، الضابط غازي الطائفي، وكان صديقه الضابط سعد بن سرحان مساعدا لقائد سرية بقيادة محمود عبدالهادي فياض، ولا يمكنه المشاركة لحاجتهم له في مقر العمليات، لكنه طلب من الكردي المشاركة فوافق، لكنه اشترط عليه نزع رتبته عند المشاركة كي لا يفرح العدو عند إصابته أو قتله بأنه أسر ضابطا أو قتله.
خطة مُحكمة
تقدمت القوات المصرية ومعها السعودية بقيادة الكردي من تقاطع طريق غزة - بئر السبع، وتقدمت 3 فصائل للاقتحام من الجناح الأيسر، وعملت القوات السعودية حركة التفاف حول المستعمرة لتلتقي القوات المصرية الأمامية، وكان المطلوب من الطائفي وفصيله فتح ثغرة في الأسلاك الشائكة بواسطة الديناميت وأن يعود، ويتم المأمورية المشاة الزاحفون.
عبر الطائفي ومن معه حقل الألغام، واستشهد وأصيب عدد كبير منهم، وتمكن 4 فقط ممن كانوا في فصيل الاقتحام من الوصول للأسلاك الشائكه، ورموا القنابل اليدوية على الصهاينة المتحصنين حتى تمكنوا منهم.
أثناء ذلك أصيب الطائفي في إبهام يده بشظية قنبلة لكنه واصل مهمته.
اشتباك بالسلاح الأبيض
يستطرد الحربي في روايته، ويقول «تواجه المقتحمون الأربعة مع 4 من جنود «الهاغانا» وجها لوجه، فجابه أقلهم جسدا بمجابهة أكبر شخص من الصهاينة، وقال «استعنت عليك بالحي القيوم» ونحره بحربة البندقية، ثم فتحوا ثغرة في الأسلاك الشائكة، فيما كانت يد الطائفي تواصل النزف.
أطرب النجاح الطائفي، وأخذته نشوة النصر، فاستمر في تقدمه عندما رأى الصهاينة على بعد بضع عشرات من الأقدام، فكان أول الداخلين من الثغرة، وهجم عليهم يمعن فيهم تقتيلا وذبحاً، وجرى داخل المستعمرة وأصدقاؤه من خلفه ينادون عليه بالتوقف، ولكنه أكمل وهو يتلقى طلقات القناصة المتواجدين في أعلى خزان للمياه، فأصيب بعدة طلقات فوق ركبته، ليصل منهكًا ويغمى عليه.
العسيري والسرحان
كان سعد بن سرحان يقاتل مع الجنود في مكان آخر غير بعيد، وحين رأى الطائفي في هذا الوضع ومعه العريف أحمد بن موسى العسيري في موقع مكشوف، والصهاينة يطلقون عليهما النار من أعلى خزان المياه، تقدم لمساندتهما ووصل إليهما، وأمر العريف العسيري أن يتراجع للقيادة فرفض، وقال له: إما أن ننجو سويا أو نستشهد معا، فأكملوا لإنقاذ صديقهما، وصلا إليه، وحمله سعد على ظهره، وطلب من العسيري ألا يستهلكوا ما بقي من الذخيرة، وألا يرمي إلا طلقة طلقة إذا ظهر أحد من القناصة فقط، وتراجعوا ووجههم للمستعمرة، حتى ابتعدوا وعادوا لمقر قيادتهم، وتم إسعاف الطائفي، ثم نقل إلى غزة، ومنها لمستشفى في مصر لتلقي العلاج.
عودة سعد
أوصل سعد صديقه الطائفي للمعسكر، وعاد للمستعمرة لإكمال مهمة تأمينها، وخلال التقاطه الأنفاس مع قائده المباشر محمود عبدالهادي فياض بين الجنود، ظهر لهم جنرال صهيوني وجه حربته لهما، وهما مستندين إلى جدار إحدى الفلل داخل المستعمرة، فوكزه سعد برجله وألقاه أرضا وقتله، وبعد ذلك بساعتين أمره فياض بالانسحاب، لكنه قال: لم نؤمن إلا نصف المستعمرة فدعنا نكمل، فرد عليه طالبا أن يرفع رأسه وينظر حوله ليرى المدافع والتعزيزات الصهيونية تحيط بالمستعمرة.
يكمل المهندس الحربي: بعد الانسحاب، وعلى مقربة من المستعمرة بدأت التعزيزات الصهيوينة تقصف المستعمرة معتقدة أن اليهود في المخابئ، وأن المكشوفين هم السعوديين، لكن السعوديين كانوا يستريحون على بعد ويشاهدون القصف حتى حلّ الظلام وعادوا لمعسكرهم.
بعد تأمين المصابين ومواراة الشهداء، ذهب سعد إلى خيمته وحين حلّ رباط حذائه تنبه لوجود إصابة في أوتار أعصاب رجله وأنها تنزف فعرضها على طبيب المعسكر وعولج.