في 31 أغسطس 2015 شرعت ألمانيا أبوابها للمهاجرين الفارين من الأزمات العاصفة في بلدانهم، والذين تجمعوا على الحدود الخارجية لأوروبا، أو استطاعوا الوصول إليها عبر ممرات التهريب والمخاطرة بحيواتهم والنزر اليسير مما حملوه من نفقات في سعيهم للوصول إلى ما اعتبروه «دول الحلم» في أوروبا. قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي سميت منذ ذلك الحين «ماما ميركل» «يمكننا التعامل مع هذا»، وفتحت السبل بعد أيام فقط أمام مهاجرين تقطعت بهم السبل في بودابست وفي مدن اليونان وجزرها، ووصل نحو 1.2 مليون منهم إلى ألمانيا قبل إغلاق حدود البلقان، وقبل اتفاق ابرم مع تركيا عام 2016 أوقف تدفقهم منها باتجاه أوروبا. 5 سنوات مضت على ذلك التاريخ، لكن أحوال المهاجرين، وحتى تعامل الألمان معهم ما يزال محل تساؤلات ورصد.

البحث عن جنسية

صفوان ضاهر، لاجئ سوري، يسكن في «دودرشتات»، وهي بلدة بالقرب من غوتنغن، ولا يستطيع سوى القليل من الألمان العثور عليها على الخريطة، وهو يقول «هي بلدة مملة، لا يهم». يتمتع ضاهر بوظيفة جيدة في برمجة الكمبيوتر حيث يدفع لشقة من ثلاث غرف نوم، ويحتفظ بجزء من مرتبه على أمل مغادرة والديه سورية والانضمام إليه.. وهو يقضي أوقات فراغه مع شقيقه الطالب في جامعة غوتنغن. يتطلع ضاهر إلى الخطوة التالية، وهي الحصول على الجنسية الألمانية التي تقدم بطلب للحصول عليها للتو».

سنوات الألم

كرم قباني، ناشط فر من حلب بعد أن عذبه بلطجية بشار الأسد، مر بوقت أكثر صعوبة، وهو مدخن متوتر، يصف خمس سنوات من الألم وهو يتنقل ذهابا وإيابا من وكالة إلى أخرى، مجبرا على العمل في وظائف مسدودة، دون تقديم أي مساعدة لندوبه النفسية. يخطط لمغادرة ألمانيا بأسرع ما يمكن، يقول: «الألمان أناس منغلقون للغاية». «لا أحد يريد المساعدة».

بداية جيدة

في الشهر الأخيرة من 2015 وحين بدأ المهاجرون التدفق، تعاملت معهم ألمانيا بشكل جيد، لكن بعد 5 سنوات من ذلك الوقت، كانت تجربة دمجهم بالمجتمع متباينة.

على مستوى الوظائف، في عام 2015، بدأ تدفق المهاجرين الشباب في الغالب مناسبا تماما للشركات الألمانية التي تواجه قوة عاملة تعاني الشيخوخة، وتوقع رئيس شركة دايملر «معجزة اقتصادية». تم تخفيف القواعد لطالبي اللجوء الباحثين عن عمل، وشجعت الحكومة 1.1 مليون شخص على الالتحاق بدورات الاندماج واللغة. في عام 2018، كان 43 % من طالبي اللجوء في سن العمل، الذين وصلوا بين عامي 2013 و2016 لديهم وظيفة أو تدريب (مقارنة بأكثر من 75 % لنفس الفئة العمرية في ألمانيا ككل) أفضل من موجة اللاجئين اليوغوسلافيين في التسعينيات. جاءت الوظائف ببطء في البداية، لكنها تسارعت مع خروج الناس من دورات الاندماج، مما يشير إلى أنه «كان من الأفضل أن تأتي». تقول مارلين ثيلي التي تعمل في غرفة التجارة الألمانية لمساعدة الشركات على توظيف اللاجئين «الأرقام ليست مثالية، لكنها مشجعة»، مع ذلك بالكاد نصف اللاجئين في القوى العاملة الألمانية يعملون في وظائف تتطلب مهارات، ويقول هربرت بروكر من معهد أبحاث حقوق الإنسان، «كثير منهم يغسلون الأطباق في المطاعم أو يرتبون أسرة في الفنادق، مع احتمالية ضئيلة للتقدم (ومخاطر عالية لتسريح العمال بسبب COVID). لقد كافحت النساء على وجه الخصوص، وخاصة من الثقافات التي تعتقد أن مكانها في المنزل، كان العديد من الوافدين الجدد، وخاصة من دول مثل إريتريا والعراق، أميين وظيفيا عند وصولهم وما زالوا بعيدين عن دخول سوق العمل». ويبلغ متوسط دخل المهاجرين نحو ثلثي المستوى الألماني الأصلي.

اختبار المركزية

انتشر المهاجرون في جميع أنحاء ألمانيا، حيث يعيش معظمهم خارج المدن، وشكلوا اختبارا للحكومة الألمانية اللامركزية التي تمنح كثيرا من السلطة للمسؤولين المحليين. وجدت دراسة أجريت على 92 بلدية أن عددا منها كان قابلا للتكيف تماما، أطلق بعضها مثلا دورات لغة خاصة بهم أثناء انتظار قرارات قبول لجوئهم، وعمل أكثر من نصف سكان ألمانيا مع اللاجئين بطريقة أو بأخرى، لكن مع ذلك ظهر الارتباك وعدم الكفاءة، فالموظفون المدنيون لا يعرفون أحيانا أي مستوى حكومي مسؤول عن سياسة التعامل مع المهاجرين، ونادرا ما تتبادل الولايات والبلديات الأفكار. أكثر من 600 من «مكاتب الأجانب» التي تعاني من نقص التمويل مسؤولة عن قضايا مثل تصاريح العمل والترحيل، ومن هنا تبدو المتاهة البيروقراطية محيرة. يقول قباني «اسأل أي لاجئ عما يخشاه أكثر، سيقول لك هو صندوق البريد»، إنه يحتوي دائما على طلبات أو مواعيد أو تحذيرات من جهات رسمية لم يسمعوا بها من قبل.

مثل عدد من الدول الأوروبية، كافحت ألمانيا لترحيل طالبي اللجوء الذين رُفضت طلباتهم، حصل أكثر من 200000 شخص على ما يسمى «التسامح»، مما يعني أنه ليس لديهم الحق في التواجد في البلاد ولكن لا يتم طردهم على الفور.

ربما لا يتمتع 50 ألف شخص آخر بوضع قانوني، ولمنعهم من الانزلاق إلى الخمول أو ما هو أسوأ، وبموجب القواعد الجديدة، يمكن للبعض العمل أو الحصول على تدريب مهني، لكن انعدام الأمن الوظيفي مستمر.

أحد طالبي اللجوء الذين رُفضت طلباتهم، محمد والي زادة، وهو أفغاني كان يعمل لدى شركة أمريكية لإزالة الألغام في كابول، لديه الآن وظيفة قانونية في متجر للهواتف في سيلت، وهي جزيرة في بحر الشمال. لكنه تخلى عن هدفه في الحصول على الدكتوراه في ألمانيا، قال «ليس لدي أمل، إنه مجرد بقاء».

المكافحة للترحيل

تقول فيكتوريا ريتيج من المجلس الألماني للعلاقات الخارجية «هناك فرق كبير في نتائج التكامل بين أولئك الذين يتلقون الحماية وأولئك الذين رفضوا كلاجئين، وأولئك الذين قبلوا بالـ»تسامح»، وحتى من قبلوا بالتسامح فإن 3 % منهم فقط يمكنهم الانتقال بحرية في جميع أنحاء ألمانيا، وهو أمر لا فائدة منه عند البحث عن وظيفة. ولأن ألمانيا ليس لديها قانون الجنسية بالولادة، فعادة ما يتمتع أطفال المهاجرين بنفس وضع والجيهم، ويواجهون خطر الترحيل إلى بلد لم يعرفوه من قبل، تقول السيدة ريتيج «هؤلاء هم السكان الذين يجب أن نقلق بشأنهم». يبدو أن ألمانيا تخشى تطبيق قواعدها والسماح لطالبي اللجوء المرفوضين بإيجاد طرق بديلة في المجتمع الألماني. مع زيادة الأعداد، تزداد المعضلة سوءًا.

فروق في الإقامة

لا تزال البلاد مشلولة بسبب المعارك السياسية التي دارت قبل 5 سنوات، ودفعت أزمة المهاجرين حزب البديل اليميني الراديكالي لألمانيا إلى المركز الثالث في انتخابات عام 2017.

أظهر استطلاع للرأي العام الماضي أن غالبية الألمان يعتقدون أن البلاد يجب ألا توافق بعد الآن على اللاجئين، في هذه الأيام، أصبحت الحدود أكثر هدوءا، لكن لا يمكن استبعاد موجات جديدة من المهاجرين من الجوار المضطرب في أوروبا.

أحمد دينو، سوري مندمج جيدا وحصل على شهادة جامعية في برلين، يحدد ثلاثة أنواع من الألمان:

1ـ أولئك الذين يعاملونه بشكل طبيعي.

2ـ العنصريون الذين يريدونه أن يذهب.

3ـ أولئك الذين يضعونه تحت المراقبة بشكل دائم.

وعندما سئل عما إذا كان يشعر بأنه في منزله هنا، هز كتفيه. «بالنسبة للبعض، لا يمكنني أبدا أن أصبح ألمانياً. بالنسبة للآخرين، أنا بالفعل. لا أشعر هنا بأنني غريب. أنا فقط أبحث عن حياة طبيعية وآمنة».