من الأمور المتجذرة في أكثر النفوس الآمنة المطمئنة أمر الدين، وله عمق في الناس، ومن هنا كان المدخل الديني ملجأ للتأثير الإيجابي في الناس، وأحيانا العكس. وملحوظ جدا موضوع الاتجار بالدين، لأغراض لا علاقة لها بالدين، مثل استخدام مسميات أو شعارات دينية وإطلاقها على مشاريع تجارية، أو مناسبات شخصية، ومن تعمق في الموضوع وجد أنه امتهان للدين، وتلاعب به، وخداع للناس، وتزييف للحق.

الدين لا يمكن أن يمثله صاحب زي معين، ولا عبرة لمظهر من يتكلم عنه، رجلا كان أو امرأة، والعمدة إنما هي على تحقق الإخلاص في قلب الإنسان، وأبسط تعريف للإخلاص، يمكن أن نجده في تعريف الإمام الجنيد بن محمد البغدادي، رحمه الله تعالى له، بأنه: «سِرّ بين الله وبين العبد، لا يعلمه مَلَكٌ فيكتبه، ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيميله»، وهذه المسألة تحتاج إلى نية حقيقية، وليست إلى مجرد نية شكلية، ودون كمالها يصبح صاحبها (قليل الصدق)، و(قليل الصلاح)، وتصلح في وصفه عبارات الإمام معروف بن فيروز الكرخي، رحمه الله: «ما أكثر الصالحين، وأقَلَّ الصادقينَ في الصالحين»؛ والدين النقي الطاهر، يمقت من يستغله، ويحرم التباهي به على الآخرين، بنص قول الحق عز وجل، في سورة الحجرات، لحبيبه ومصطفاه، صلى الله عليه وسلم: {يمنون عليك أن أسلموا قل لا تَمنُوا علي إسلامكم بل اللَّه يمنُ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين}، ويمنع كذلك من استغلال خلق الله، كذا الاستتار خلف الشرع من أجل تحقيق (مآرب أخرى).

أرجو ألا يظن المطالع لهذه الأسطر أني أتحدث عن دين الإسلام فقط؛ ففي أوروبا سيطر رجال الكنيسة مئات السنوات، باسم الدين، واستغلوه لإخضاع الأوروبيين، حتى عم الجهل والخرافات، وتمت محاربة العلم، بكل طريقة، لأنه كان يكشف الكثير من خرافات الكنيسة، وأكاذيبها، وأخطائها العلمية في الدين المسيحي، حتى سميت العصور التي سيطرت فيها الكنيسة على أوروبا بعصور الظلام، وخير مثال على محاربة الكنيسة للعلم قتلهم العالم الإيطالي الشهير(جاليليو) بسبب استنتاجه أن الأرض كروية، وليست مسطحة كما يزعم رجال الكنيسة.

ختاما.. الأمر الذي أنا بصدده هنا هو استغلال الأديان جميعها، وهو ما يجب أن نتنبه إليه، خاصة أن استغلال الدين في الحياة عادة عند البشر، وإن اختلفت الجهات المستغلة للدين والموظفة له، بين أفراد وجماعات، ومؤسسات، وكل له أهدافه، منها ما هو اقتصادي، ومنه ما هو اجتماعي، ومنه ما هو سياسي، وكل ذلك يوجب زيادة جرعات التثقيف الديني للناس، دون أكاذيب أو خرافات، ودون إفراط في الترغيب أو الترهيب، مع الحذر من أن يكون الدين لعبة في يد المتطفلين، أو أن يكون غائبا عن المشهد العام؛ لأن البديل انحراف عن (الصراط المستقيم).