تحولات
(سارة) بطلة العمل تطرح خطابا نسويا، يقارب ما يشهده المجتمع المحلي من متغيرات ومستجدات على مستوى أنماط الحياة، ومشاركة المرأة بالشكل الحضاري الذي ارتضته لها الأمم في حضورها اجتماعيا، فهي زوجة وموظفة في الوقت ذاته، تنتمي لأسرة متزمتة في نظرتها للمرأة وتعاملها معها. ويوضح الدويحي، الذي خاض هذه التجربة الجديدة له برهان تجاوز تجاربه السابقة، أنه تطلع إلى محاورة فكرة «أن الذكر وليس الرجل هو لعبة الأنثى»، بالتداخل مع تأمل تحولات المكان / المدينة، توازيا مع التحولات الاجتماعية وصراع البشر الذاتي ما بين أفق القرية، وفضاءات المدينة الكبيرة المفتوحة على كل المتغيرات ماديا وفكريا، ما قد يدخل المرء في متاهات متعددة، ومنها التيه الذي ألفت بطلة العمل نفسها فيه.
مفترقات الطرق
يقول أحمد الدويحي مسترجعا ظروف كتابته العمل حين كان يمر بمتاعب صحية قاسية: سحقتني أوجاعي ومتاعبي الذاتية عاطفياً وعضوياً ونفسياً، واستبد بي هاجسٌ وجودي، حتى بتُ أخشى من نهايته وتأويله، فلا مناص من معاشرة الكتابة وفيها شيء من متعتي، وألتمس بين طياتها شيئاً من دوائي، وأجد مسافات بين منغصات علل كثيرة، وحسابات لزوايا متناقضات الزمن ومفترقات الطرق، فقد أورثتني رواية (أنثى التيه) هذا الضياع الذي لا أرى له نهاية.
ويتابع الدويحي أنه قال للناشر بعد تصحيح بروفاتها ثلاث مرات: أوقف نشر هذه الرواية لأنها ستأخذ عمري، وحتماً كنت أعي ما أقول، وقلت له في مهاتفة تالية عن السبب، فالكتابة إدمان وعلاج معاً لحالات مزدوجة، الكتابة وحدها كفعل حضاري، أمضى من حد السيف، وترياق ألذ من شهد النحل.
العمياء وذات القطبين
كانت النار مشتعلة، وتتساقط أنوار المصابيح، فتضيء سطح ماء سد الجنابين، المكان الذي عرفه عمار صبياً قبل نصف قرن، حينما حضر إلى ذات المكان، وكان مجرد سفح جبل، ينتهي قرب الوادي، وتتناثر في السفح مقابر كثيرة، بُنيت من أحجار سوداء، ترتفع عن سطح الأرض أكثر من متر، وبُني قريباً منها بيت شعر أسود، وربط إلى جواره في طلحة، كلبان ضخمان بسلاسل حديدية، لم يصمتا عن النباح كل الوقت، وقطيع البهم حول المراح.
تذكر عمار وهو يجوس المكان، ويجمع الحطب من أطراف ماء السد، وقد قذفت به سيول الوادي المتدفقة، أنه رضخ لرغبة جده في شهر رمضان، ليأتي إلى ذات المكان، ويوزع الزكاة على البدو، رعيان قطيع أغنامه، وقد منحه الجد حينذاك، مفتاح سيارة نقل فورد جديدة، وأغراه ببندقية صيد إسبانية جديدة، وما كان ليرضخ لرغبة جده، لو لم تكن عروسه، لم تكمل شهر العسل الأول، حائضاً وتعاني من ألم العادة الشهرية، وجاءت الرحلة إلى المشرق خلاصاً له، ليبتعد عن عروسه لئلا يقع في المحظور.
حينها، قال الجد، وهما يدخلان بيت الشعر بعد معاناة شاقة، ولم تكن حينها هناك خطوط معبدة، أضطر عمار إلى الصعود، والهبوط في منحدرات وعرة، إن هذا المكان التاريخي بنقوشٍ في الصخور والقبور، مكان نزاع قبلي قاسٍ وطويل، سقطت بسببه رؤوس كثيرة، وعلقت رقاب في أغصان الشجر، وعجوز بدوية عمياء، ترحب بالجد الذي تبينت صوته، وسرعان ما هب الجد، وأشعل ناراً في مدخل بيت الشعر، ووضع دلة القهوة إلى جوارها، وسلخ جلد أحد البهم، ووضعه في قدر مليء بالأوساخ، وأستخرج تمراً من صرة، تسابق السوس للخروج منها، انتبه عمار لهذا فعافت نفسه الفطور، وكان يصغي لحديث دافئ بين جده والبدوية العمياء، تخلله ضحك وذكريات ضاربة في القدم.
فتذكر أن في سيارته، علب جبن وتونة وسجائر وخبز، فخرج إلى غدير قريب، وتناول فطوره قبل أن تغرب الشمس، وحينما عاد بعد المغرب إلى بيت الشعر، وجد شاباً في مثل عمره، قال الجد إنه زوج للعجوز العمياء، تزوجت شقيقته ابن العجوز العمياء، ولم يجد حلاً إلا الاقتران بهذه العجوز العمياء، كنظام مجتمع يؤمن بالبدل، ولتحفظ له بيته، وتمخض له لبنه.
حينما سمع ممدوح الحكاية، وقد فرغ من تصوير صبايا من السواح والمقيمين، اقتربن من حافة السد، وتحررن من رقابة أهاليهن، تناثروا جماعات في أمكنة مضاءة حول السد، وبعث بعدة سنبات رغم ضعف الشبكة الإلكترونية، لم تدخل الحكاية رأسه، ويستوعبها خياله، فقال:
- في الأمر شك.. ربما ابن العجوز العمياء، قد غدر بشقيقة الشاب الوسيم، فكان لا بد من حلٍ لهذه الإشكالية !!
ضحك عمار كثيراً، وهو يخرج أكواز الذرة البيضاء من النار ليتناولها ممدوح، ولم يعجبه هذا التأويل، وقد خيم عليهما الظلام، وأنوار مصابيح السد، تمتد لتشكل سرب ضوء أصفر فوق سطح الماء، وتجرع فنجان شاهي، ما زال أبريقه يغلي فوق الجمر، وبصوت محايد، قال:
لا أظن يا صديقي ممدوح، أن تأويلك صحيح.. ولكنها عادات سخيفة، حكمت سيطرتها على أذهان أناس فقراء، وجهلة !
فجأة، سأل ممدوح عماراً، سؤالاً غريباً:
وما الإشكالية، هل تعرف فوزية؟
نعم، رد عمار، وكأنه فوجئ بالسؤال، فواصل ممدوح الكلام بلا مواربة، وكأنه يحكي فيلماً، تابع تفاصيله بدقة:
قادها تلفونها، وربما حظها العاثر إلى مكان فندق فخم، وسألت في الاستقبال، إذا كان سعود أحد نزلائه، وحينما تأكدت وعرفت رقم غرفته، صعدت إليه ليتفاجأ بها.
أحمد سعيد الدويحي
- قاص وروائي
- ولد عام 1372 قرية العسلة بالباحة
- انتقل إلى الرياض في سن مبكرة
- التحق بالصحافة بداية التسعينات الهجرية
- عمل في عكاظ والرياض واليمامة
إصدارات قصصية
البديل 1986
قالت فجرها 2000
من رواياته
ريحانة 1991
ثلاثية المكتوب 2002
مدن الدخان 2007
وحي الآخرة 2010
غيوم امرأة استثنائية 2013