تعاضدت جائحة كورونا وما استلزمته من قرارات حجر وإغلاق، مع قرار سبق تفشيها وسمح للسيدات بقيادة السيارات في رفع الإقبال على تطبيقات التوصيل، وتوصيل الطلبات، ورفع عدد العاملين فيها لتلبية الطلب المتزايد، وأتاح للسيدات اقتحام هذا القطاع، والعمل في مجال التوصيل، وتوصيل الطلبات، خصوصاً في ظل ضيق الفرص المتاحة أمام قطاعات أخرى تأثرت كليا أو جزئياً بالجائحة.

وسريعا جدا، ساهم تفشي الجائحة في تلمس الأثر الإيجابي لقرار السماح للسيدات بالقيادة، حيث خلق لهن فرص عمل واسعة، في مجال قطاع توصيل الطلبات، حيث كان هذا التفشي نقطة تحول هامة وكبيرة لصالح تطبيقات التوصيل التي سهلت قضاء الحاجات اليومية للمواطنين والمقيمين.

في 20 مايو الماضي، كشفت "هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات" عن ارتفاع طلبات خدمات التوصيل الإلكترونية بنسبة 54% منذ بداية أزمة كورونا، وأن هذا الارتفاع استلزم مضاعفة أعداد التطبيقات المسجلة في الهيئة من 10 تطبيقات إلى 26 تطبيقاً جديداً، سعياً منها لتلبية الطلب المتزايد على خدمات التوصيل عبر التطبيقات الإلكترونية.


وتحوّل قطاع توصيل الطلبات مع الأزمة إلى بيئة جاذبة وخصبة للتوظيف، حيث أعلنت الهيئة ارتفاع عدد المندوبين السعوديين في كافة التطبيقات بنسبة تفوق 434% منذ بداية الأزمة حتى 20 مايو الماضي.


مليارا ريال

في 28 يوليو الماضي كشفت هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات، عن بلوغ إجمالي القيمة المالية للطلبات عبر تطبيقات التوصيل أكثر من ملياري ريال منذ بداية جائحة كورونا، مبينة أن إجمالي الطلبات بلغ 26 مليون طلب، بنسبة زيادة تصل إلى 250% مقارنةً مع بداية الجائحة.

وأشارت إلى استحواذ منطقة الرياض على 46% من مجمل طلبات التوصيل، تلتها منطقة مكة المكرمة بنسبة 26%، فيما تم تنفيذ 13% من الطلبات في المنطقة الشرقية.

ووفقا للهيئة، فقد ارتفع عدد تطبيقات التوصيل المسجلة لديها منذ بدء تطبيق قرار منع التجول بنسبة تحسن تصل إلى 310% بعد أن بلغ مجموعها 41 تطبيقا، تقدم خدمات التوصيل في 246 مدينة ومحافظة في مختلف مناطق المملكة.


إقبال كبير

لقيت فرص العمل في تطبيقات وبرامج التوصيل وتوصيل الطلبات، إقبالا كبيرا من النساء، حتى أنه تم إنشاء عدد من البرامج والتطبيقات الخاصة بالنساء، يمكنهن من خلالها التقديم على العمل كسائقة، أو طلب سائقة.

وتروي الكابتن نوال تجربتها في العمل كسائقة في أحد برامج وتطبيقات التوصيل، وهي التي لم تكمل دراستها الجامعية لظروفها العائلية، وتقول "لجأت إلى هذا العمل لكسب الرزق، ولأحقق من خلاله إيرادا يكفيني ووالدتي، وفي كل مرة أقوم بإيصال أحد خاصة النساء أجد منهن فرحة غامرة، وفخراً".

وتضيف "أجد في العمل ارتياحا، كما تجده الزبونات معي، ربما لتعاملنا مع بعضنا كسيدات أريحية إضافية".

وتقر الكابن نوال بوجود صعوبات، وتقول "لا شك أن هناك صعوبات تواجهني خلال العمل، مثل أي عمل آخر، لكنها تبقى نادرة جدا، وأبرزها بعض المضايقات من فئة قليلة، وكذلك نظرة البعض إلينا نحن العاملات في هذا المجال باستنقاص، ودونية، ولكن للحقيقة الأغلب نتلمس منه شعورا طاغيا بالفخر بما نعمله".


إحساس بالسعادة

تتحدث ليان عن اختيارها لهذا العمل كجزء من الترويح عن النفس، وتقول "في فترة الحجر المنزلي التي فرضها تفشي كورونا، وخلال منع التجول، كان الجميع يعانون خاصة من الجانب النفسي، لذا قررت أن أكسر حالة الوحدة التي يفرضها الحجر، وأن أروح عن نفسي، واستغل وقتي فيما يفيد بدل المكوث في المنزل، واخترت توصيل الطلبات كمهنة تحقق لي كل ما سبق".

وأضافت "دائماً يلازمني قلم وأوراق صغيرة، أكتب فيها بعض العبارات الإيجابية، وأضعها مع كل طلب أقوم بإيصاله لإدخال الفرح والسرور على قلوب الناس المتلقين للطلب في ظل جائحة كورونا، والظروف الاستثنائية التي عشناها، ولمست أثر ذلك لدى كل من أوصلت إليهم طلباتهم، ومع كل ردة فعل إيجابية كانت تصلني منهم تغمرني السعادة أضعاف ما تغمرهم".

في حين، تقول زينب "عملت في أحد برامج توصيل الطلبات كعمل إضافي في وقت الفراغ، إلى جانب وظيفتي الأساسية.. كان الهدف هو زيادة دخلي المادي، وبذلك تمكنت من مشاركة زوجي ومساعدته في مصاريف المنزل، وتلبية احتياجاتي الخاصة".

بدورها تقول طيف "جربت الخدمة مع سائقة من خلال إحدى تطبيقات التوصيل.. كانت تجربة ثرية وجميلة، فالسائقة كنت محترمة جداً ومحترفة، وشعرت معها بالارتياح، واستغللت زمن المشوار بدردشة ممتعة، ومسلية".


تغير المفاهيم

تشدد الأخصائية الاجتماعية هلا النجدي، على تغير كثير من المفاهيم في المجتمع على نحو إيجابي، وتقول «نحن الآن في نهايات 2020، وفي ظل رؤية واعدة أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ومعها تغيرت وصوّبت كثير من المفاهيم حول عمل المرأة، وقد أثبتت المرأة نجاحها في مجالات عدة، ومنها دخولها في شركات التوصيل، والحمد لله أن وصل المجتمع لمرحلة وعي موازية للرؤية، وبهذا أعتقد أن ردة الفعل على عملها في هذا المجال ستكون إيجابية وداعمة للمرأة».

وتضيف «لا أرى أي مانع من دخول المرأة العمل في أي مجال لا يتعارض مع طبيعتها كامرأة، طالما أنه يحفظ لها كرامتها وسلامتها، وثانياً سيؤثر هذا في دعم مجال التوصيل ونجاحه، فقد أثبتت المرأة جدارتها ونجاحها فيه، وثالثاً دخولها لهذا المجال سيؤثر على سوق العمل، ويوفر الفرص الوظيفية، رابعاً كل مجال جديد تدخل فيه المرأة يساعد في دعم مشاركتها الفعّالة في رفع نهضة بلادنا اقتصادياً».

وتكمل «من إيجابيات هذا القطاع أنه يمكن العمل فيه كدوام جزئي لا يحتاج إلى تفرغ، وهذا يسهم في رفع دخلها، كما أن دخولها هذا المجال إلى جانب الرجل السعودي سيسهم في تعزيز التوطين، ويقلّل من الاعتماد على العمالة الوافدة».

ولا تعتقد النجدي أن هناك صعوبات في هذا المجال تعيق المرأة عن العمل فيه، وتقول «المرأة الآن تعمل مع الرجل في مجالات عدة، ولها كامل احترامها، وحقوقها محفوظة، ولدينا الحمد لله قوانين صارمة لسلامة وأمن الجميع، وفي حال أن الشركات وفرت للمرأة البيئة اللازمة وقننت عملها، كأن يكون العمل في ساعات محددة لا تتجاوز منتصف الليل، وفي أحياء سكنية تحفظ لها سلامتها، فإن مزيدا من الفرص ستتوفر للمرأة وترفع مساهمتها في الاقتصاد المحلي، وهو أحد الأهداف المعلنة للرؤية السعودية 2030».

التقبل والتكيف

تشير الأخصائية الاجتماعية أسماء اللويمي، إلى أن المجتمع السعودي شهد تغيرات اجتماعية عدة لم يكن كثيرون يتوقعون حدوثها، وتقول «نستطيع قياسا للتغيرات التي حدثت أن نقرر أن أي تغيير قد يواجه بالرفض أو القبول، وكأخصائيين اجتماعيين يجب علينا مساعدة المجتمع على تقبل التغيير، وكيفية التعامل معه».

وتضيف «تبين أن عمل المرأة في برامج التوصيل سيسهم في تغيير الصورة النمطية السائدة عن المرأة السعودية على المستويين المحلي والدولي، إضافة إلى إسهامه في زيادة تمكينها، وخفض نسبة بطالتها، دون أن يعني ذلك أن الوضع سيكون مثاليا للغاية، وأنها لن تواجه صعوبات أو مشاكل، فهذه الصعوبات موجودة، والمشاكل كذلك، وبالتالي، فإنها تحتاج إضافة إلى الحماية التي أسبغتها عليها الأنظمة إلى مهارات التعامل مع الآخرين، ومهارات الدفاع عن النفس، والقدرة على اتخاذ القرارات».

هجوم واسترجال

على النقيض، ترى الأخصائية الاجتماعية نورة السالم، أن ردة فعل المجتمع على عمل المرأة في برامج التوصيل لم تكن دوماً وردية اللون، وتقول «تلقت المرأة العاملة في هذا المجال هجوما وانتقادا من كثيرين تهكموا عليها ووصفوها بأنها «مسترجلة»، ويقللون أهمية العاملات في هذا المجال ويقللون من قدرهن، وهذا لا ينفي كذلك وجود فئة أخرى، أراها قليلة تدعمهن، وتتشكل في الغالب من الإناث».

وتضيف «مما سبق نستطيع القول إن من الصعوبات التي قد تواجه المرأة في العمل في برامج التوصيل نظرة المجتمع إليها بدونية، ناهيك عن تعرضها لنظرة تستحقر جهدها، وقد تتعرض للتحرش اللفظي أو الجسدي، وإن لم يمارس عليها هذا التحرش بشكل مباشر فقد يمارس على سيارتها، لكن كل هذا متوقع ووارد، ولا بد أن يتغير مع الوقت كما تتغير أشياء كثير باتت اليوم في صالح المرأة».

وتكمل «في المقابل هناك عدة إيجابيات لعمل المرأة في هذا المجال، مثل رفع مستوى الاقتصاد، تساوي الفرص الوظيفية بين الجنسين، إضافة إلى الإسهام في التوطين، والاستغناء عن العمالة الأجنبية».

%54 ارتفاع طلبات خدمات التوصيل الإلكترونية منذ بداية كورونا وحتى 20 مايو 2020

16 تطبيقا مسجلا لخدمات التوصيل أضيفت إلى 10 سابقة حتى مايو الماضي ليصبح الإجمالي 26

%434 ارتفاع عدد المندوبين السعوديين في كافة التطبيقات حتى مايو الماضي

2 مليار ريال إجمالي القيمة المالية للطلبات عبر تطبيقات التوصيل حتى نهاية يوليو 2020

26 مليون طلب عبر هذه التطبيقات

%250 نسبة زيادة الطلبات حتى نهاية يوليو 2020 مقارنة ببداية الجائحة

%46 من مجمل الطلبات في الرياض

%26 من مجمل الطلبات في مكة المكرمة

%13 من مجمل الطلبات في المنطقة الشرقية.

41 تطبيقا مسجلا للتوصيل حتى نهاية يوليو

246 مدينة ومحافظة في المملكة تعمل فيها خدمات التطبيقات

إيجابيات لعمل المرأة في مجال التوصيل

المساهمة في الناتج الاقتصادي

خلق فرص عمل جديدة

زيادة التوطين

تقليل الاعتماد على العمالة الوافدة

تحقيق إيراد إضافي لها

تساوي الفرص الوظيفية بين الجنسين

صعوبات تواجه عمل المرأة في هذا المجال

01 النظرة الدونية من البعض

02 تعرضها لتحرش لفظي أو جسدي