تعتبر الثقافة وسيلة لتحسين مستوى الفرد لمواكبة تطورات مجتمعية أو بيئية تلبي حاجات الفرد، وهي أيضا نظام يحتوي على المعرفة التي يكتسبها الفرد سواء أكانت عادات أو تقاليد أو موروثا مجتمعيا أو معرفة في مجال معين. بينما تعتبر الجودة مقياسا لدرجة أو مستوى الإتقان أو الخلو من الأخطاء والعيوب، وتعد الجودة في التعليم هي حق الطالب في التعليم الجيد والذي يتمحور حول البيئة التعليمية، سلسلة العمليات، المحتوى التعليمي، المخرجات والطالب بحد ذاته. وبالعودة لمفهوم الجودة الأساسي وهو الإتقان، أستشهد بقول رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «إن اللَّه تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه». فربط الإتقان بالجودة يساهم في التميز والثواب. ومن أهم الدروس والتجارب في الإتقان والتميز، المعجزة الاقتصادية اليابانية، وكيف بدأت ألمانيا وببطء باستعادة اقتصادها، وسنغافورة كيف أصبحت نموذجا في النظام والكفاءة.

رؤية 2030 وتنمية مهارات الشباب من الأهداف الوطنية للنهوض بدور التعليم والتدريب وضرورة استهداف التعلم متعدد التخصصات، وقدرة الطالب على رؤية المشاكل من زوايا مختلفة، وموازنة المعرفة بالتخصصات والمعرفة حول التخصصات. وإذ أشير بكل التقدير لأقوال ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان «لسنا قلقين على مستقبل المملكة، بل نتطلع إلى مستقبل أكثر إشراقا»، «إن مستقبل المملكة مبشر وواعد»، «طموحنا أن نبني وطنا أكثر ازدهارا، يجد فيه كل مواطن ما يتمناه، فمستقبل وطننا الذي نبنيه معا لن نقبل إلا أن نجعله في مقدمة دول العالم». إن ما تقوم وتسهم به وزارة التعليم في تسخير كافة الجهود في التحول إلى اقتصاد معرفي يعتمد على العقول والطاقات البشرية المبدعة والمنتجة يستحق كل تقدير.

أبعاد النتائج الاجتماعية والاقتصادية للتعليم والهياكل التنظيمية وتخصيص الموارد والسياسات والسياق التربوي والاجتماعي والاقتصادي الوطني يتطلب الموازنة بين مكاسب الصلاحيات والكفاءة واستخدام النتائج وبيانات العمليات وملفات السجلات، لتحقيق الأداء الجامعي والملامح الاجتماعية والاقتصادية المثلى للجامعات، وتقليص الفروق بين التعليم الحكومي والأهلي، من حيث جودة الخدمة التعليمية والتربوية. كما أن الموازنة بين الاستثمار في قياس النتائج مقابل قياس المتغيرات المشتركة التي تساعد في تفسير النتائج، تتطلب عينات أكبر مقابل جودة قياس أعلى. فعلى سبيل المثال تكامل السياسات لغرض التحسين المستمر، الإطار الوطني للتقويم وأهمية التكامل بين الجهة التنفيذية والجهة التقويمية، وضمان ترابط مكونات التقويم والمواءمة مع أهداف منظومة التعليم الوطنية، والتي تعزز ضمان جودة التقويم التي من شأنها التركيز على النتائج مثل: «معايير جودة متسقة ومناسبة، مؤشرات أداء مشتركة، إتاحة المعلومات والنتائج ضمن البيانات المفتوحة للجمهور»، الأمر الذي يوجب على كافة مؤسسات التعليم الجامعي إجراء التقويم الذاتي وإجراء مراجعة خارجية مستمرة مع التحقق من صحة البيانات. علما بأن القياس الذاتي والتقويم والمراجعة الخارجية والدراسة الذاتية تقود لمفهوم التقويم الذاتي الفعال، وهو تضمين عمليات الجودة داخل المؤسسة بأكملها، وأن لكل فرد دورا يتعين عليه القيام به على أكمل وجه، وأن الجودة ليست جهدا فرديا بل تعاون كافة أصحاب المصلحة في معرفة وتحديد النتائج المطلوبة، ومشاركتها ونشرها ووضع رؤية مشتركة، ومعرفة مستوى الجودة كل ذلك يتطلب أدلة وبيانات، ووجود آليات للحصول على التعليقات والملاحظات، ووجود منظمات وهيئات مطِلعة، تماما مثل ما تقوم به هيئة تقويم التعليم والتدريب بالمملكة. إن الإفصاح الصريح عن نقاط القوة ونقاط الضعف وإتباع خطة عمل تعالج نقاط الضعف وتعزز نقاط القوة، وتبني رؤية مشتركة عبر القطاع المستهدف، ونشر تقارير بشأن الممارسات الجيدة، تحتوي على أدلة يمكن التحقق من صحتها، ووجود مراجعين متخصصين لديهم القدرة على قيادة الأداء في مؤسساتهم. كما تحث هيئة تقويم التعليم والتدريب وتضع البرامج التدريبية المكثفة المتاحة التي تحقق ذلك للنهوض بدور التعليم والتدريب في المملكة، وتخدم وتتسم بالشفافية حول المؤسسات الجيدة، واستثمار القدرات في المؤسسات إنما هي قائمة مختصرة من قوائم التحقق لدى هيئة تقويم التعليم والتدريب بالمملكة. وإن التحديات الخارجية لقطاع التعليم، والتي ترتكز على سوق العمل وتغيراته المتسارعة النمو في الاتجاه العام وحجمه، وقلة الوعي بثقافة الجودة وجهود هيئة تقويم التعليم والتدريب بالمملكة، والاعتماد المؤسسي والبرامجي وقلة الوعي بثقافة ريادة الأعمال بشكل عام، والإطار الوطني للتقويم والمؤهلات يتطلب نشر المزيد من المعرفة التخصصية الدقيقة على مستوى الفرد لتصبح موروثا مجتمعيا في الأوساط المستهدفة، قادرة على قياس درجة أو مستوى الإتقان لغرض التحسين المستمر المنشود.

فما هي الجودة في التعليم الجامعي؟

يندرج التعليم الجامعي ضمن نطاق وزارة التعليم، كما أن الجامعات الحكومية أو الجامعات والكليات الأهلية تعتمد على معايير في إعداد الخطط الدراسية، تتضمن التأكد من انعدام الازدواجية في المقررات داخل الكلية، مع التأكيد على وحدة الأقسام العلمية بالجامعة وداخل الكلية، الأمر الذي يقسم خطط الأقسام الدراسية إلى مقررات متطلبات عامة ومتطلبات كليات، وأقسام إلزامية واختيارية تمثل القسم بنسبة والكلية والجامعة بشكل عام، وغيرها من المعايير. ويجب عند إعداد البرامج الدراسية مراعاة توافق البرنامج الدراسي مع أهدافه ومخرجات التعلم، وتوافق البرنامج الدراسي مع معايير الاعتماد الوطنية والعالمية وغيرها، مثل مشاركة الجهات المعنية بما يتماشى مع رسالة وأهداف وإستراتيجيات المؤسسة التعليمية المقدمة للبرنامج. الأمر الذي من شأنه تفعيل ممارسات الجودة ومراجعة الاعتماد وأهمية الدراسة الذاتية، وهنا يأتي دور الاعتماد المؤسسي والاعتماد البرامجي. إن التطرق للاعتماد المؤسسي والبرامجي لن يكون مهمة سهلة لاختزاله في مقال، وهو عمل جدير بالاهتمام في رفع جودة التعليم والتدريب وكفاءتهما في المملكة لأعلى المستويات العالمية، وتعزيز الجودة والتميّز في مؤسسات التعليم الجامعي وبرامجها، من خلال عمليات التقويم والاعتماد الأكاديمي التي تقع تحت مسؤولية هيئة تقويم التعليم والتدريب، والتي تتيح بكل سهولة الوصول لكافة المعلومات والبيانات التاريخية عبر البيانات المفتوحة بشكل ميسر.

3 مليارات من سكان العالم من الشباب تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاما، و41 مليونا من الشباب في العالم يشكلون القوى العاملة المحتملة في المستقبل. التميز والإتقان يبدآن مع الجودة في التعليم الجامعي، ومن أهم التوصيات للتغلب على التحديات المطروحة هي إعداد خطة إستراتيجية للتطوير والجودة، يشارك في بنائها ذوو العلاقة من داخل وخارج المؤسسة التعليمية، وتحديد الجهات المسؤولة عن تنفيذ الخطة وتفادي الازدواجية وتحديد جهة للتنسيق والمتابعة في التنفيذ، وقياس الأداء مع الاستمرار الأمثل في دعم الموارد والبرامج وتقوية العلاقات وبناء الشراكات، والاستمرار في عقد اللقاءات وتبادل الخبرات وتطوير الوسيلة التعليمية التي تخدم العملية التعليمية، والمساندة التي من شأنها تحفيز العمل بروح الفريق، مع الحفاظ على التنوع والإثراء وتجسيد القيم، بالإضافة إلى تزويد الشباب بمهارات متعددة. وأشير ختاما بكل التقدير إلى قول ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان «معاً، بعون الله، نواصل الارتقاء بالمملكة العربية السعودية وتحقيق تطلعاتنا بالرخاء واستثمار طاقات ومواهب وطموحات شبابنا وشابّاتنا».