حينما بدأت قراءاتي تتركّز نوعًا ما، وجدت كتاب: (كيف تكسب الأصدقاء وتُؤثّر في الناس)، ابتعته بطبيعة الحال، ولعلّ أثره الوحيد هو شراؤه؛ فمعظم العناوين الناجحة لمثل هذه الكتب وغيرها هي التي تبدأ باستفهام؟! الكتاب ظلّ حبيسًا في مكتبتي مدة طويلة، ثم جرى فقده، ولم أعتنِ بذلك عناية شديدة، لأسباب كثيرة، منها ثقتي المفرطة في الأصدقاء، وأن المسألة بأي حال من الأحوال سوف تتخذ، فيما تتخذ، مبدأ الأخذ والعطاء، وأن هذا الحب والتقدير والاحترام الذي أحسّ به نحو الآخرين لا بدّ وأن يأخذ طريقه إلى نفوسهم، ليكون ردّ الفعل الطبيعي والمنطقي هو الحب والتقدير والاحترام. كنت - وليس تشاؤمًا - أحلم، وعرفت أن هذا الحلم الجميل لن يدوم؛ فالحياة لن تأخذ مدار المجاملات والاحترام والخوف والعطف، لأنها لا بدّ وأن تأخذ من حسابها - أيضًا - مبدأ القوة والصراحة والأنانية، بل والجهل المفزع. نعم، الجهل المفزع، هذا الجهل يأخذ بتلابيب الصديقين كطرفين يمارسان جهلاً متناقضًا بطبيعة الحال.

فالصديق الأول يثبت بمرور الأيام مدى أنانيته وعدم ثقته، بل وشكوكه القائمة على الضعف وعدم المواجهة والإحساس بالتفوق الواهم، وكأنه يغطي نقاط ضعفه وحزنه بكيل التهم للآخرين، لا لشيء بل لمجرد كلمة عابرة أو ظن كاذب، فيبدو في بداية الأمر أشبه ما يكون بالدعابة، ثم تتحول إلى حقيقة يروجها بين الناس. والصديق الثاني يثبت جهله المفزع في القدرة على فرز الأصدقاء، ويثبت طيبة غبية في قبول الأصدقاء بناءً على المثل الشعبي: (كلّ يرى الناس بعين طبعه). تلك حقيقة أولية، لكنها على الرغم من صدقها، إلا أن الحياة تعطيك بعد التجربة معنى آخر لهذا المثل، وهو أن الحياة (غابة)، وأن هذه الغابة، وإن كانت تضج بالحركة علمًا وثقافة ومبادئ، إلا أنها تضج - أيضًا - بالمصلحة والأنانية، بل إنها تعبد الذات عبادة تغيب معها مشاعر الاحترام للآخرين.


نعم، ليس ما أقوله إلا رغبة بعد تجربة مريرة مع كثير من الأصدقاء الذين نسمعهم ينادون بالمثل والمبادئ والأخلاقيات، لكنهم، وفي لحظة من لحظات الكشف والوضوح، ينقلبون إلى الضد تمامًا. فتفرك عينك مرارًا وتكرارًا لتقنع نفسك بأن المتحدث أمامك هو الشخص نفسه الذي كان يتحدث بالأمس بالمبادئ والمثل والأخلاقيات، فيتحول فجأة إلى إصبع اتهام، بل يصبح مجالًا للرثاء والرحمة والشفقة؛ لأن من حوله يدركون أنه سينكر كل ما قاله حين يبدأ يلبس قناعه.

أيها القارئ، إن الحياة في أساسها لها لون العداء ولون الصداقة، لون الحق ولون الباطل. لكن لأن هذا الزمن أصبح كثير التعقيد، فلقد وجب أن يكون هناك جنس ثالث، ليس من زمرة الأعداء فتأخذ حذرك منه، وليس من زمرة الأصدقاء فتزيده حبًّا وثقة به، لكنه جنس ثالث، إنهم (الأعدقاء).

1985*

أديب وصحافي سعودي «1950- 2023»