من المكرر القول بإن الأصل في ردِّ القرض بين الناس أن يكونَ بمثلِ العملة التي اقترضها فلان من فلان، حتى لو تغيَّرت قيمة العملة، وأحيانا تتغير قيمة العملة كثيرًا، ويحدث بسبب ذلك ضرر على طرف ما، وهو ما يستوجب التفكير في رفعه، إما بالصلح العادل بين الطرفين، أو باللجوء للتحكيم أو القضاء.

قديما كان الاعتماد بيعًا وشراءً على الدنانير الذهبية والفضية، واليوم قامت النقود الورقية مقامها، وصارت أساس المعاملات، ولذلك أخذت مقام الأحكام الشرعية المقرَّرة للذهب والفضة من حيث وجوب الزكاة، وجريان أحكام الربا، وغير ذلك؛ ولا توجد مشكلة في رد القرض والدين أو المهر المؤجل أو المؤخر إذا كان الثابت في الذمة ذهبًا أو فضة أو سلعةً معلومة محققة؛ فالرد يكون بالمثل، بغض النظر عن اختلاف القيمة بين يوم الدَّين ويوم السداد، إنما المشكلة هي في الصور التي يكون الاقتراض فيها بغير الذهب أو الفضة، أو السلع الموزونة أو المكيلة.

من هذه الصور أن يكون الاقتراض بعملة ورقية، بطل التعامل بها لسبب ما، والردّ هنا يكون بقيمتها من عملة أخرى أو من الذهب والفضة، وينظر للقيمة في يوم قبض الدَّين، أو ثبوته في الذمة، وليس في يوم السداد، وهذه صورة متصورة جدا، ولا يكاد الاختلاف حولها يذكر. أما الصورة الأخرى، فكأن يكون الدَّين الثابت في الذمة من العملات الورقية المتعامل بها، ثم رخصت قيمتها أو غلت مع بقاء التعامل بها، وهنا يظهر الاختلاف الفقهي في الواجب سداده على من عليه الدين، والرد إذا كان الغلاء والرخص يسيرًا بحيث لا يصل الانخفاض أو الغلاء للثلث، يكون بالمثل، وهو أمر مغتفر شرعًا، ولا تخلو منه المعاملات بالعموم؛ وإذا ما كان التغير يبلغ الثلث فأكثر، وكان هناك تنازع في طريقة السداد فعندها يجب المصير للتصالح بين الطرفين، بحيث يتم تقدير الخسارة، ويتحمل كل طرف جزءًا منها، لأنه لا حيلة لواحدٍ منهما في وقوعها، والعدل يقتضي ألا يخص أحد بالضرر، بل يتوزع الضرر بالصلح، وجعل أمر التحديد بالثلث، لأنَّه الحد الفاصل بين الكثرة والقلة، كما ثبت في العديد من النصوص الشرعية، ومنها الحديث النبوي: (الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ)، الدال على أنه آخِرُ حَدِّ الْكَثْرَةِ، وإذا تعذَّر الصلح، وكما ذكرت سابقا، يتم اللجوء إلى التحكيم، أو القضاء للفصل، وتحديد الضرر والتعويض اللازم.

أختم بحل مقترح لما سلف، وهو أن تكون المعاملات المالية كالبيع والإجارة، أو الالتزامات الثابتة في الذمة كالمهر؛ بالذهب أو بالفضة، أو بسلعة موزوزنة أو مكيلة، أو بعملة أخرى يظن ثباتها، وذلك لانتفاء الربا أو شبهته، ولأن من حق الناس تحديد الثمن بما يتراضون عليه، وفي الوقت نفسه، لا بد من التوكيد على عدم جواز أن يكون (اتفاق) سداد القروض من نقد آخر مخالف للنقد الذي تم فيه الاستلام، أو ربط الأمر بالعمليات أو المؤشرات أو المعدلات أو السلع أو الذهب ونحوه.