حينما نتحدث عن تمكين المرأة السعودية في يوم المرأة العالمي فنحن، وقد قطعنا هذا المسافة الحقيقية من التمكين، الذي يعني بمعناه الأبسط منح المرأة الأدوات الحقوقية والتشريعية والقانونية التي تحقق من خلالها خياراتها الفردية وحريتها الشخصية في مختلف مناحي حياتها، لا نحتاج لمزيد من الإثبات والمراهنات والأدلة على أن حال المرأة تغيرت كثيرا خلال السنوات الخمس الماضية، خاصة في الجانب الاجتماعي والاقتصادي، حيث أصبحت المرأة، ولو كانت لا تحمل إلا الشهادة الثانوية ولا تملك الخبرات الكافية، تستطيع العمل في المجالات التي كانت تستبعد منها، وتحقق لها اليوم الاستقلال المادي والاجتماعي والرضا النفسي، حتى لو كان الدخل قليلا، وما يترتب عليه من شعور بالثقة والأمان.

لكن المرأة، مع كل هذه الرعاية الحكومية لتمكينها وظيفيا واجتماعيا وحقوقيا، تواجه اجتماعيا عدة أشكال مما يصح أن نطلق عليه «تنمر» غير مباشر، ولعل التبرير الوحيد لهذا التنمر بأشكاله هو أن التمكين الذي حصلت عليه المرأة، خاصة في الجانب الحقوقي، شكل صدمة لدى كثير من فئات المجتمع التي كانت تمانع كل ما يتعلق بها من حريات واستقلال، أو التي اعتادت أن تعيش وفق نمط معين فرضته العادات والتقاليد والتعاليم الدينية المغلوطة، التي تشربها المجتمع لأجيال متتابعة. مع قوة القانون، وفرضية سيرورة الحياة الطبيعية التي نعيشها، صارت المقاومة السابقة تنمرا، يأخذ أشكالا قد يلاحظها الراصد تحولات المجتمع. وحتى تكون صورة هذا التنمر أكثر وضوحا لدى القارئ الكريم، سأستخدم نموذجا شاهدناه أخيرا، ومورست عليه أنماط التنمر كافة، التي سأذكرها لاحقا.

قبل أيام أعلنت إحدى الشركات الحكومية الرسمية، التي أنشئت في منطقة عسير، تعيين سيدة في منصب قيادي، وفي المنصة الأولى للأخبار المحلية والتعليق عليها عبر «تويتر» نشرت صورة هذه السيدة الفاضلة برفقة الخبر، وتوالت التعليقات التي تعطي انطباعا واضحا عن التفكير الاجتماعي السائد حول ما يتعلق بالمرأة وطرائق التفكير وأنماط التنمر الاجتماعي، وفكرة تمكين المرأة.


أول هذه الأنماط هو التنمر على الانتماء الجهوي أو القبلي، فكون اسم السيدة ينتهي بانتماء لأحد القبائل العريقة، وهي معينة في منطقة أخرى، وجده كثير من المتلقين سببا في التنمر- دعاء أو تذمر أو شكوى - لأنها إما ليست إحدى بنات تلك القبائل في المنطقة أو أنها «بنتنا» والأولى لها أن تكون في منطقة تقع ضمن حدود قبيلتها، مع أن كثيرا من أفراد هذه القبائل في واقع حياتهم اليومية يقاوم ويرفض التغييرات التي تكون في مصلحة تمكين المرأة واستقلالها وحرياتها الشخصية، وقد يحول بينها وبين تمكينها من العمل في مهنة بأجر زهيد، فضلا عن منصب قيادي.

يتخذ النمط الثاني من التنمر شكلا متصلا بالأول بشكل مباشر، وهو تنمر الاستحقاق، فالصوت الذي يعلو متسائلا: «أين بنات وأولاد المنطقة من هذه المناصب؟»، يستنقص من استحقاق الآخر مركزا أو وظيفة بغض النظر عما مكنه من هذا المنصب من مؤهلات علمية وخبرات ومهارات قد لا تتوافر في بنات منطقته ولا أبنائها. هذا المتنمر غالبا ما يستخدم هذا الأسلوب المتذمر حتى مع أقاربه ومحيطه، ويربط الاستحقاق الوظيفي بمعايير لا تخلو من الأنا القبلية والعائلية.

النمط الثالث للتنمر وآخرها هو الأكثر شيوعا فيما يتعلق بالمرأة بشكل عام، وهو التنمر على الشكل. فمن مثالنا المطروح أعلاه، وما تبعه من تعليقات وتداول على مختلف وسائل التواصل، وفي المجالس العامة والخاصة، كما يحدث عادة مع تولي أي سيدة عملا أو منصبا أو ظهورها بشكل شخصي، فإن التنمر على الشكل يكون إما غزلا ممجوجا، أو مديحا لا يليق أن يصدر من أشخاص لا صلة لهم بها، أو مقارنات ساذجة بين الجمال والحضور من مكان لآخر، أو اعتراضا يأخذ شكلا دينيا بتحريم كشف الوجه أو العمل المختلط وما شابه مما تجاوزناه من وعي وحقائق. والأسوأ ربط استحقاق العمل بجمال الشكل، في تعريض قاس لا تقبله أي امرأة، ولا يرضاه أي عاقل رشيد.

أحوج ما تحتاجه المرأة في يومها العالمي، وفي كل أيامها، وهي تعيش سنوات الازدهار التي غيبت عنها سنوات، والتي نالتها باستحقاق من قيادة رشيدة آمنت بحقها، وعملت على كثير من الإصلاحات التي تصب في مصلحتها بشكل مباشر، وما زالت تعمل عليها، وأكثر ما تحتاج إليه وأكبر حقوقها اليوم أن يواكب هذا التغيير الكبير مؤسسيا وعيٌ اجتماعي يحميها - كما تحميها القوانين المنصوصة - من أي أذى شعوري ونفسي، وأن تشق طريقها في الحياة التي اختارتها، والخيارات التي وضعت فيها بما تملك من علم ومهارة وإصرار وسعي ورغبات، لا فضل فيها لاسم قبلي ولا تفضيلات شخصية أو شكل خارجي.

ولمقاومة هذا التنمر وتوعية المجتمع يبرز هنا دور الأسرة في التربية والبناء الفكري والنفسي الصحيح لأبنائها وبناتها، ودور مؤسسات المجتمع المهتمة بتوعية الأسر التي ما زال يصعب عليها تفهم هذه التغييرات. كما هو دور مؤسسات التعليم والإعلام والثقافة من خلال برامج توعوية وفكرية موجهة ومباشرة نحو فكرة مقاومة التغيير، وأنماط التنمر التي تتعرض لها المرأة حينما تمارس أدوارها الطبيعية في الحياة، عطاء وتمكينا وعيشا، ولعل الباحثين والمختصين الاجتماعيين يعنون في هذه المرحلة بأبحاث ودراسات وقياس التحولات إيجابا وسلبا على الفرد والمجتمع، والخروج بتوصيات ومشاريع مستمرة تسير جنبا إلى جنب مع مشروعات الدولة الكبرى في تمكين المرأة وريادة العالم.