الحديث عن الفلسفة ذو شجون، لارتباطها الخاطئ في أذهان كثير من المثقفين العرب بصعود الغرب. فالغرب تطور لأنه يمتلك نزعة عقلانية ليست متاحة للآخرين، ومصدر هذه النزعة العقلانية هو الفلسفة وتراث الفلاسفة، وفق معادلة فكرية قسرية (عقل= فلسفة= غرب). وبقية شعوب العالم تحمل عقلا بدائيا (ما قبل منطقي أو ما قبل عقلاني) فالعقلانية بدأت مع فلاسفة اليونان وارتبطت بأسمائهم. وباتت العقلانية اليونانية الغربية مقابلا معرفيا للشعائرية غير اليونانية وغير الغربية.

وفق هذه الرؤية القاصرة التي يتبناها المثقف العربي تصبح الفلسفة المصدر الأعلى للعقل والبداية الحقيقية للتفكير المنطقي ومنشأ القطيعة مع الأسطورة والدين. ومن هنا فإن الفهم الخاطئ للعقلانية وربطها القسري بالفلسفة يعطينا تصورا خاطئا للعقلانية وعلاقتها بالفلسفة. العقلانية قدرة إنسانية عامة، ومفهوم أوسع بكثير من الفلسفة، وهذا يعني أن كل عقلانية ليس بالضرورة أن تمر عبر الفلسفة. التفلسف ليس نزعة إنسانية عامة بل تقليد ثقافي محدد نشأ في اليونان وفق سياق ديني واجتماعي خاص. وكل البشر بمختلف ثقافتهم يمتلكون نفس القدرات العقلية لكنهم يستخدمونها داخل أنظمة رمزية وثقافية مختلفة، وكل الثقافات تمتلك أشكالا من التفكير المنطقي داخل سياقاتها الخاصة.

فهمنا الخاطئ للفلسفة أدى لعجزنا المستمر على منحها «تعريف واضح» ما جعلنا نوسع دلالاتها لتصبح مرادفة للعقل والعقلانية عند كل شعوب العالم قاطبة. عجزنا عن منح الفلسفة تعريفا محددا مصدره الاعتقاد الخاطئ بوجود طبيعة بشرية أساسية ومشتركة تدعى «التفلسف» هذا جعلنا نتعامل مع ثقافات الشعوب المختلفة وكأنها بلا تاريخ، ونظن بوجود شكل واحد من السؤال العقدي عن أصل الكون ونشأته وما يترتب عليه من أسئلة أخلاقية، وهذا الاعتقاد يلغي التنوع الثقافي واختلاف الحياة الاجتماعية عند شعوب العالم. الاعتقاد أن التفلسف نزعة إنسانية مشتركة يتعارض مع تعددية الثقافات والأفكار باعتبار أن الاختلاف الثقافي سمة إنسانية أصيلة تمايز الإنسان عن بقية الكائنات الحية.


ربط العقلانية بالفلسفة اليونانية قد يخفي التنوع الحقيقي لأشكال التفكير المنطقي عند البشر ويختزلها في نموذج وحيد وكأنه التطور الطبيعي المتاح للعقل البشري. فأصبح هناك مسلمات عند النخب الثقافية والأدبية أن تاريخ الفلسفة يبدأ باليونان، والعقلانية مرتبطة بالفكر الأوروبي والحداثة نتاج التنوير الأوروبي، وهكذا تولد عند المثقف العربي شعور أن سر تفوق الغرب يكمن في الفلسفة والعقلانية المرتبطة بها، أي أن الغرب متفوق لأنه يمتلك عقلا فلسفيا بينما بقية الحضارات تقليدية أو دينية تمتلك عقلا بدائيا أسطوريا ما قبل منطقي.

غياب العقلانية وربطها بالفلسفة كان نتيجة الصدمة أمام التفوق الغربي، فأصبح الشغل الشاغل لكل مثقف عربي البحث عن تفسير ثقافي للتخلف، والتنقيب عن مسبباته من خلال التراث والعقل وطريقة التفكير عند العرب.

هذا الاشتغال الطويل في دراسة العقل العربي وتشريحه وتفكيكه مدفوعا باعتقاد جازم أن الثقافة قد تكون سببا للتقدم أو التخلف. ربما المشكلة في بنية التفكير أو الجمود الثقافي وربما في التقاليد الاجتماعية، فأصبح الجدال لا يخرج عن العقلانية والفلسفة وعلاقتهما بالتراث، وتحولت مشكلة التخلف إلى عيب في ثقافة المجتمع نفسها حتى وصل تفسير التخلف إلى الاعتقاد بأن الثقافة العربية عاجزة بطبيعتها، وهذا سيكرس بدوره مغالطة توحي أن هناك ثقافات عاجزة ذاتيا في طريقة التفكير، والمطلع على المشهد الثقافي العربي يلحظ جملة من الأطروحات النقدية التي تقدم الثقافة العربية بوصفها ثقافة عاجزة بطبيعتها، أو أن المجتمع العربي يحمل عجزا ثقافيا داخليا يتضخم ذاتيا عبر القرون، ومثل هذه التفسيرات الاختزالية تخفي كثيرا من تعقيدات التاريخ العالمي وتطوره المركب والمتداخل.

غياب الفلسفة يعني غياب العقلانية والتفكير الناقد، ثم ربطت المشكلة بغياب تعليم الفلسفة للأطفال في المدارس، وتوجيه أصابع الاتهام نحو التراث بوصفه مصدرا محتملا لمشكلة التخلف، بل مصدرا مؤكدا من أعمال العنف التي قد تكون مرتبطة ببعض البنى الثقافية أو التأويلات التراثية، وهنا تحولت مشكلة التراث من مصدر للتخلف إلى مصدر للعنف، وصارت مشكلة الثقافة تطرح مرارا وتكرارا وظهرت مشاريع فكرية كبيرة تحاول تشريح العقل العربي والتراث المهيمن عليه.

ربط الفلسفة بالعقلانية وصناعة أشكال من التوأمة بينهما أدى إلى تفسير تفوق الغرب ثقافيا وهذا قاد إلى تفسير تخلف المجتمعات الأخرى ثقافيا، ثم انتهى الأمر باتهام الثقافة نفسها بالعنف. ومثل هذه التخبطات الفكرية التي وقع فيها المثقف العربي طوال العقود التاريخية الماضية أوقعته في وهم الكونية العقلانية الأحادية وصار أسيرا لها ويفكر من خلالها. هذا الوهم الذي يجعل العقلانية مسارا تاريخيا واحدا يبدأ من اليونان وينتهي بالغرب الحديث.