يُمثل الحج في الوجدان الإسلامي ذروة التعبد ورحلة العمر التي تهفو إليها الأفئدة، ومع تطور الدولة الحديثة، تحولت إدارة هذه الشعيرة من تجمع ديني إلى عملية لوجستية وأمنية هي الأضخم عالمياً، تقودها الحكومة السعودية وفق معايير مالية مكلفة وهندسية وقانونية صارمة.

ومع ذلك، يبرز على السطح سلوك المواطن أو المقيم المخرب، الذي يفتح ثغرات في هذا النظام تحت ستار «الحس العاطفي» أو المساعدة الإنسانية، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول الصراع بين العاطفة الفردية والمصلحة الوطنية العليا.

وتنبثق معضلة مساعدة المخالفين لشروط الحج من بنية اجتماعية تعلي من شأن الفزعة والعاطفة الدينية الساذجة على حساب مفهوم المواطنة القانونية؛ حيث يرى المخرب في إيواء حاج مخالف أو نقله عبر طرق وعرة نوعاً من القربى إلى الله، متوهماً أنه يشارك في تسهيل العبادة.


هذا الحس العاطفي المشوه يتجاهل حقيقة شرعية واجتماعية كبرى، وهي أن مقاصد الشريعة تقوم على حفظ النفس، وأن الاكتظاظ غير المدروس الناجم عن التسلل يؤدي مباشرة إلى حوادث التدافع، وقصور الخدمات الطبية، وضياع حقوق الحجاج النظاميين الذين بذلوا الغالي والنفيس للحصول على تصريح رسمي.

إن المخرب هنا يمارس نوعاً من الأنانية الدينية، حيث يقدم شعوراً لحظياً بالرضا عن مساعدة شخص على حساب أمن وسلامة ملايين البشر.

وبالتحليل النفسي والاجتماعي لشخصية المسهّل للمخالفين، يتضح أن هذا السلوك يعود إلى عدة أسباب مترابطة، أولها التمرد على البيروقراطية، إذ ينظر البعض إلى القوانين التنظيمية كالتصاريح على أنها مجرد عوائق إدارية وليست ضرورة أمنية.

وثانيها أيضاً الاسترزاق المغلف بالعاطفة، حيث تختبئ خلف الحس العاطفي في كثير من الحالات مصالح مادية، كرسوم النقل والسكن السري، فيتم تبرير الجشع المادي بزعم أنه خدمة لضيوف الرحمن، أما السبب الثالث فيتمثل في غياب الوعي التبعي، إذ لا يدرك المخرب أن فعله البسيط، كنقل خمسة أشخاص مثلاً، إذا تكرر من ألف شخص، يعني إضافة خمسة آلاف فرد غير محسوبين في خطط الطوارئ والإعاشة، مما يؤدي إلى انهيار المنظومة الخدمية بأكملها.

وللمكافحة القانونية لهذه القضية، لم تعد الجهات المختصة في المملكة العربية السعودية تتعامل مع هذه التجاوزات على أنها أخطاء عفوية، بل تعتبرها جرائم تمس الأمن الوطني.

فقد سنت المملكة قوانين صارمة تضع المواطن المخرب تحت طائلة العقوبات المغلظة، حيث يخضع الناقل لعقوبة السجن التي تصل إلى ستة أشهر، وغرامة مالية تصل إلى خمسين ألف ريال عن كل مخالف يتم نقله، بالإضافة إلى مصادرة وسيلة النقل بحكم قضائي والتشهير به في وسائل الإعلام المحلية، أما إذا كان المخالف مقيماً، فإن العقوبة تتضاعف لتشمل الترحيل النهائي عن المملكة والمنع من دخولها.

إن هذه الصرامة القانونية ليست تعسفاً، بل هي ضرورة لحماية السيادة التنظيمية، فالحج فريضة مشروطة بالاستطاعة، والتصريح الرسمي جزء أساسي من هذه الاستطاعة التي قررها ولي الأمر بناءً على قاعدة أن تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة.

وعندما تبذل حكومتنا الرشيدة مليارات الريالات لتطوير المشاعر المقدسة ولخدمات الحجاج والمعتمرين كل سنة وتستخدم أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي لإدارة الحشود، فإن إدخال المخالفين يؤدي إلى إرباك هذه الخوارزميات الدقيقة، لأن أنظمة إدارة الحشود تعتمد على أرقام التصاريح للتنبؤ بحركة الجموع، فيصبح التسلل غير المشروع سبباً في جعل هذه البيانات كاذبة. كما يؤدي ذلك إلى استنزاف الموارد، إذ يستهلك الحجاج المخالفون حصص الحجاج النظاميين من المياه والكهرباء والخدمات الطبية، بالإضافة إلى التهديد الصحي الناتج عن تجنب المخالفين للفحوصات الطبية والتحصينات اللازمة، مما يجعلهم بؤراً محتملة لنقل الأوبئة داخل بيئة عالية الكثافة.

وهنا يمكن القول إنه لا يكفي الردع القانوني وحده، بل يجب معالجة العاطفة المشوهة من خلال حلول استراتيجية شاملة.

ومن أهم هذه الحلول إعادة صياغة الخطاب الديني ليؤكد أن الحج بلا تصريح معصية لولي الأمر وإضرار بالمسلمين، وأن المساعدة في ذلك تعاون على الإثم والعدوان لا على البر والتقوى.

كما ينبغي تعزيز الرقابة المجتمعية من خلال ترسيخ مفهوم أن المواطن هو رجل الأمن الأول، وأن التستر على المخالفين ليس شهامة، بل خيانة لسلامة ضيوف الرحمن، وكذلك استمرار وتعزيز الحل التقني المتمثل في التحول الرقمي الكامل كما هو حاصل مع بطاقة نسك، لتصبح التكنولوجيا حاجزاً منيعاً لا تستطيع العاطفة البشرية تجاوزه.

وخلاصة القول، إن فريضة الحج أسمى من أن تُختزل في رغبات فردية تكسر هيبة النظام، إن المواطن المخرب الذي يظن بجهله أنه يصنع معروفاً إنما يضع معولاً في جدار الأمن الذي يحمي ملايين الأرواح.

الرحمة الحقيقية والحس العاطفي السليم يتجليان في احترام النظام وتسهيل مهمة رجال الأمن، واليقين بأن طاعة القوانين المنظمة للحج عبادة يُثاب عليها المرء؛ لأنها تحفظ أغلى ما يملكه الإنسان وهي حياته.