في الغالب، وبطبيعة الحال لن تكون هذه المقدمة مدخلاً لفهم ما يحدث الآن، ففي فوضى المعلومات وانتشار الأخبار والتعليقات وهذه السيولة الغزيرة من التحليلات والتصريحات في فضاء غير منضبط، نحتاج إلى العودة خطوة إلى الوراء، قبل أن يصبح الإنترنت على هذه الصورة.
كانت هناك صحيفة أمريكية اسمها (New York Sun)، وفي عام 1833 باع صاحبها الصحيفة بسعر أقل من تكلفة طباعتها، اعتقد الناس أنه يخسر، لكنه كان يفهم عقلية الجماهير وكيف يستثمرها، فالمال الحقيقي لم يكن يأتي من القارئ، بل من المعلن الذي يريد الوصول إلى عقل القارئ، ومن تلك اللحظة بدأ انتباه الإنسان يتحول إلى سلعة، وهذا ما شرحه تيم وو في كتابه (The Attention Merchants) أو «تجار الانتباه»، فالمنصات الرقمية اليوم لم تخترع هذه الفكرة، لكنها أتقنتها أكثر، وجعلتها أسرع وأدق وأشد تأثيرًا وخطورة، لا يمكن وصف الخوارزمية بأنها تملك موقفًا أخلاقيًا من عدمه، فهي في النهاية أداة، ولا يهمها إن كان المحتوى نافعًا أو تافهًا صادقًا أو مضللاً، عميقًا أو سطحيًا، ما يهمها فقط هو ما الذي يجعلك تبقى أطول فترة ممكنة على الشاشة؟.
وقد اكتشفت الخوارزميات أن أكثر ما يشد الإنسان ليس الهدوء ولا الاتزان، وإن كان لهما جمهورهما، بل الغضب والاستفزاز والصدمة، والشعور بأن هناك شيئًا يجب الرد عليه فورًا، فهذا هو وقود التفاعل؛ لذلك قد تجد نفسك تتابع محتوى، لا لأنك تحبه بل لأنك غاضب منه، وتريد أن تعلق عليه تعيد النشر وتظن أنك أسقطت الفكرة وألجمتها وقاومتها، لكنك في الحقيقة تمنحها إكسير حياة لتبقى أطول، فكل ثانية تقضيها في هذا التفاعل تتحول إلى قيمة، وكل موجة غضب تتحول في مكان ما إلى مشاهدات وإعلانات وأرباح.
وهنا جوهر الفكرة أنت لا تستخدم المنصة فقط، بل قد تصبح جزءَا من السلعة التي تباع في فضائنا الخليجي، خلال الآونة الأخيرة ظهرت أنماط لم تكن مألوفة، وأصوات اتخذت من هذه المنصات وسيلة لصناعة الحضور، تجد أشخاصًا لا تعرف لهم مشروعًا فكريًا راسخًا ولا تخصصًا واضحًا ولا عملاً بنائيًا يمكن الرجوع إليه، لكنهم يجيدون إشعال الضجيج في وقت الأزمات، بل وحتى في أثناء الإنجازات، فعندما تكون هناك مشروعات وطنية أو إنجازات للأجيال، يخرج بعضهم ليبحث عن النقص لا بدافع النقد البناء، بل بدافع صناعة الضجيج والبحث عن الانتشار على حساب الاستقرار، يرمي عبارة غير متزنة، أو مقطعًا مبتورًا، أو سؤالاً مشحونًا، ثم يترك الجماهير تنخرط في معارك الردود لتثبيت وجهات نظر متضادة.
الخطورة لا تكمن دائمًا في تصدير الكذب أو التضليل المباشر، بل في استخدام جزء من الحقيقة ثم عزله عن سياقه وتقديمه ناقصًا بطريقة تستفز خوفك وقلقك وغضبك، لا عقلك وحكمك، والخوارزمية هنا لا تهتم ولا تتأكد من فحوى ما هو منشور؛ سؤالها الوحيد: هل تفاعل الجمهور؟ فإذا كان الجواب نعم، كافأته بالمزيد من الانتشار، وراء هذا السلوك منطق اقتصادي واضح، فالمحتوى الاستفزازي رخيص، لا يحتاج إلى بحث طويل ولا فهم عميق، والجمهور الغاضب أكثر اندفاعًا؛ يعلّق بسرعة ويشارك بسرعة، ويحكم بسرعة وهذه السرعة هي تمامًا ما تحتاجه المنصات، وما ينتظره صانع الضجيج، وهنا تكمن المشكلة لأن العين التي تتعرض باستمرار للتقليل تصبح مدربة على رؤية النقص قبل الجهد، والثغرة قبل الصورة الكاملة ثم نخسر النقد الحقيقي، إذ يختلط صوت الناقد الجاد الذي يريد الإصلاح بصوت صانع الضجيج الذي يريد التفاعل.
والأخطر من ذلك هو تآكل الثقة، فالمجتمع الذي يُغرق يوميًا في موجات التشكيك والسخرية يبدأ يفقد ثقته في مؤسساته ومشروعاته وقدرته على التقدم، لا لأن الواقع بالضرورة سيئ، بل لأن الضجيج أعاد تشكيل طريقة النظر إليه، وليس كل ناقد تاجر ضجيج، ولا كل رأي حاد دليلاً على سوء النية، لكن هناك علامات واضحة، فتاجر الضجيج يثير ولا يبني، يشير إلى المشكلة ولا يقدم تصورًا للحل، ويعتمد على رد فعلك أكثر مما يعتمد على قوة فكرته، أما استرداد الانتباه، وهو الأهم في هذا الموضوع، فلا يعني أن نغادر المنصات أو نتوقف عن النقد البنّاء، بل يعني أن نعود لضبط إيقاع ردود أفعالنا، قبل أن تتفاعل مع محتوى يستفزك.
تذكر ما ينسب إلى سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حيث قال: «إن لله عبادًا يميتون الباطل بهجره، ويحيون الحق بذكره»، ثم اسأل نفسك من المستفيد؟ هذا السؤال وحده يكسر السلسلة لأن الخوارزمية تحتاج إلى ردة فعل سريعة وغير واعية، أما حين تتوقف وتفكر، فأنت تستعيد جزءًا من سيادتك على انتباهك، فتجار الضجيج يعرفون قيمة انتباهك جيدًا، و يعرفون أن استفزازك مكسب، وأن غضبك قابل للبيع، والسؤال الأهم هل تعرف أنت قيمته كما يعرفونها هم؟.