أوصافنا وتشخيصنا هنا ينحصر في البشرية القائمة، لأن هناك إيمانًا أو تفكيرًا أو نظرية، لا تؤمن أن هذه البشرية يمكن أن تنتج حضارة راقية، والآثار الحضارية التي نتغنى بها، هي من حضارات سابقة مطمورة، وليست من صنع هذه البشرية، التي أوحى لها غرورها أنها بانية حضارة باذخة.
ولا ننكر أنّ مثقفي هذه البشرية بذلوا مجهودهم للارتقاء نحو القيم المطلقة، ولا ننكر أنهم فشلوا في ذلك.
هذا في ما هو إنساني، ولكن الملاحظ أن الطبيعة ذاتها تكره الفجاجة، فتجعل التركيب الجسدي يَضمن الراحة لهذا الجسد، والراحة أيضًا لمَن يشاهد هذا الجسد، وإلا تصوروا أن التكوين الجسدي بات معكوسًا، كما يقول لونجينوس في كتابه العظيم «The Sublime» فيظهر ما في الداخل، ويَخفى ما في الخارج؛ تخيل كبدَ المرء وأمعاءه وبقية الأعضاء تظهر للأعين، ويظهر الدماغ، وتصبح العينان داخليتين، تطلان من ثقبين في الدماغ!
حتى الجمال الطبيعي لم يرض الإنسان، فراح يخترع ما يفيد أول؟!، ثم أضاف إلى اختراعه العنصر الجمالي ثانيًا. فالحيوان لا يرتدي الجورب ولا الحذاء ولا المعطف، ولا يأكل المطبوخ. الإنسان هو الوحيد، من بين المخلوقات، القادر على إضافة الحس الجمالي إلى الضرورات وغيرها، لتجاوز المستوى الحيواني. ومَن ينظر إلى أنماط الثياب، أو تصفيف الشعر، أو طريقة الاجتماع على عمل أو مأدبة، أو صفقة.. يجد أن التطورات تتسارع، والفروق بين نمط من العيش وآخر يتعاظم. ولو تابعنا التاريخ من المرحلة المشاعية الأولى إلى يومنا هذا، لرأينا أن المتدخل الوحيد، أو العامل الوحيد في التطوير والتغيير هو الإنسان وحده، عن طريق المزيد من فرض القيود، بشتى الحجج، لضبط المشاعر والغرائز المنفلتة. إنها مقتضيات اللعبة التي نسميها الحياة.
التيار العكسي
في كل مسيرة عامة تظهر تيارات عكسية، تشاكس المألوف. وبالرغم من أن سقراط كان حذرًا من التطرف في أي شيء، بناءً على حكمة في معبد دلفي «لا تتطرف»، إلا أن بعض تلاميذه رأوا أن الخلاص من «محنة الوجود» لا يكون إلا بالفضيلة، وهي عندهم التخلص من الحاجات الضاغطة، والاقتصار على متطلبات الجسد، فأَطلقوا العنان لأنفسهم، لا يتقيدون بشيء مما هو متبع. أطلق عليهم، أو أطلقوا على أنفسهم اسم «الكلبيين» (The Cynics/Les Cyniques)، الذين تسميهم الكاتبة المصرية أبكار السقاف «التهكميين». وتقوم أفكارهم على نظرة عبثية في الحياة، ما جعلهم يقومون بسلوك غريب، فلا يتوانون من التخلص من البول والمقذوفات المعوية في الشارع والأماكن العامة، ولا يخجلون من السير من غير ثياب، بل كان بعضهم يعاشر زوجته في وسط الطرقات العامة وأمام المارة. كانوا يعتقدون أنّ الحرية لا تتحقق إلا بكسر الأقفال التي وضعها «الأغبياء» حرصًا على مشاعر العامة. كان شعارهم العريض «ابتعد عن أذى الآخرين، وافعل ما تشاء». وروي أنهم ألفوا الكثير من الكتب، ولم يبق منها شيء، إلا تلك النتف في كتب الآخرين، كتلك النتف التي نجدها في كتاب «حياة مشاهير الفلاسفة» لديوجينيس اللايرتي. ونعرف من هذه النتف أنّ فكرهم لم يكن سطحيًا، بل ربما كان أعمق من فكر غيرهم من الفلاسفة، ولكن المشكلة كانت في سلوكهم غير المألوف، وفي استخفافهم بالعادات والتقاليد، وفي تلك السخرية المريرة من الحياة الجادة. وللمرة الأولى في تاريخ الفلسفة نواجه مفكرين يعملون بما يؤمنون، فلا تحتاج إلى عرض أفكارهم وأصولها وفصولها، بل يكفي أن تصف ما يقومون به من أعمال لتتعرف إلى جوهر فلسفتهم وأفكارهم. بعض المؤرخين أطلقوا عليهم اسم «صغار الأرسطيين» وبعضهم الآخر سماهم «السقراطيون الصغار» على اعتبار أن سقراط هو المشرع الأكبر للفلسفة اليونانية. عودة الكلبيين
في القرن العشرين، وبخاصة بعد صدور إعلان حقوق الإنسان في منتصف هذا القرن تقريبًا، الذي نمى رغبة الاستقلال الفردي، يشجع على خرق الأعراف والتقاليد، وحقق تقدمًا كبيرًا في بعض الميادين، كتحرير المرأة وحرية المعتقد... إلخ، عادت أفكار قدامى الكلبيين إلى الظهور، مع هجومٍ عنيف على كلّ الأقفال الاجتماعية، بما فيها القواعد والأعراف المتعلقة بالجنس، بل يمكن القول إن أبرز آرائهم تركزت حول الجنس وضرورة تحريره تحريرًا كاملًا. وسندع جانبًا بعض الأعلام الذين ظهروا في النصف الأوّل من القرن العشرين أمثال أوسكار وايلد وأندريه جيد، ونقف عند الداعية الكلبي الكبير ميشيل فوكو وسنكتفي، لضيق المجال، بمقطعٍ من كتابه «تاريخ الجنسانية» الجزء الأول:
«في الحيز الاجتماعي، كما في قلب كل منزل، هناك مكان واحد للجنس معترف به، ولكنه نافع وخصب: إنها غرفة الأبوين. وكل ما عداه عليه أن يمحي، إذ تحل هنا لياقة المواقف التي تتجنب كشف الأجساد. كما أن احتشام الكلمات يُبيض الخطاب. أمّا العقيم إذا ما أصر وعرض نفسه للعيان، فإنه يتحول إلى الشاذ، ويفرض عليه وضعُه ذاك كشاذ، ويتعرض للعقوبات. ما لا يهدف إلى الإنجاب، أو ما يجمله الإنجاب، فإنه يفقد وجوده وحقه في الوجود، وحق التعبير عنه أيضًا، فهو مطرود، ومحذوف، ومحكوم عليه بالصمت في آنٍ معًا؛ فليس هو غير موجود فقط، بل عليه ألا يوجد، وأن يعمل على إخفاء هذا الوجود من دون أن يكون له أدنى ظهور، سواء بالكلمات أم الأفعال، فالأولاد، مثلًا، نحن نعلم تمامًا أن ليس لهم جنس، وذلك هو السبب في أن يحرم الجنس عليهم، وهو سبب في أن يمنعوا من الحديث عنه، وفي أن يغمض الكبار عيونهم ويسدوا آذانهم حين يبرزه الأولاد إلى العلن..».
عندما أنهى جان جاك روسو كتابه «أصل المساواة بين الناس» الذي يدعو فيه إلى الحياة الطبيعية، أهدى إلى صديقه فولتير نسخة منه، فأجابه فولتير: «تلقيت كتابكَ الجديد يا سيدي، الذي تهاجم فيه المدنية والعلوم والآداب، وأشكرك على إرساله.... لم يقم أحد بمثل هذه المحاولة التي تحاول فيها تحويلنا إلى وحوش وحيوانات». ولو أهدى فوكو كتابه هذا إلى فولتير عصره لَسمع جوابا مماثلاً. ومعنى كلام فولتير أن البشرية حتّى تتقدم خطوة واحدة في الابتعاد عن الحيوانات والبهائم، عليها أن تكافح آلاف السنين.
إن دعوة فوكو تتخطى سلوك الكلبيين كثيرًا. فهو في الظاهر يركز على الجنسانية، وضرورة تحريرها ممّا هي فيه من قمعٍ اضطهاد وسجن، ويتخذ غرفةَ نوم الزوجين مثالاً، فما لم تُكسر أقفالُها فإن العبودية قائمة. ويعلق آمالًا كبيرة على هذا التحرير، الذي قام به الكلبيّون. ومع أنّ الضرورات الأخرى، كرمي الفضلات والتخلص من البول مُعاشرة النساء علانية وما شابه ذلك مما كان يأتيه الكلبيون، لا تقل عن ضرورة الجنسانية، سوى أنّه لم يأت على ذكرها، ربّما لاعتقاده أنّ تحرير الأساس، وهو الجنس، لا بد أن يحرر ما تبقى من قيود ثانوية فرضتها المجتمعات الحديثة، ويرى أنها بدأت منذ القَرن السابع عشر وما بَعد.
ومارس قناعاته في البلدان التي ذهب إليها كتونس وأمريكا واليابان... وانتهى به الأمر، تحت شعار «لا قيد على شهوة» كما انتهى بالمُمثِّل روك هدسون، وانتهت حياة الاثنين في العام 1984 وأوصى كل منهما بثروته لمكافحة مرض الإيدز الناجم عن هذه الممارسات. هل مِن موقف فلسفي؟
لم يكُن وايلد، الذي قال فيه أستاذه إن الجمال موجود ولكن وايلد أدخله إلى العالَم، أو الممثل الشهير روك هدسون أو تنيسي وليامز أو حتى أندريه جيد من ذوي المواقف الفلسفيّة، ولكنّ الأمر مختلف في ما يتعلق بفوكو. ففي مؤلّفاته موقفٌ واحد، يتلخص في الدعوة إلى الإباحيّة، أو لنَقُل الحرية المُطلقة. وإذا كانت كلبيّة أنتينيس أو تلميذه ديوجينوس منطلقة من الظروف الكئيبة أيّام سقراط، فإن كلبية فوكو لا تتعلق بالظروف. لا بدّ أن تكون متولّدة من موقف فلسفي.
وربما كانت نظرية العود الأبدي وراء ما قامَ به فوكو. والعَود الأبديّ اسم أطلقه نيتشه على ما سماه هيغل نفي النفي. وخلاصة نفي النفي أنّ المَنفي لا يزول، بل يعود بشكلٍ آخر. وحبة القمح التي قدمها هيغل مثالًا لذلك توضح المقصود. إننا ننفي حبة القمح بدفنها في التربة، فتُنفى، أي تتفاعل مع العناصر الجديدة التي تنفيها، ثمّ تعود من جديد في سنبلة، تَحمل بعض ما كان في الحبة، بالإضافة إلى عناصر جديدة.
استغل فريدريك إنجلز هذا المثال في كتابيه «ديالكتيك الطبيعة» و«أنتي دوهرنغ» ليؤكد أن النظام الأولي، وهو المشاعية البدائية، سوف يعود، ولكن على نحو أعلى وأرقى وأشد تنظيمًا ودقة من ممارسات الظهور الأول. وهكذا يكون نفيُ المشاعية مدخلًا إلى المرحلة الشيوعية، حيث تكون الحرية في أوج مداها، الذي عبر عنه هيغل بقوله إن الحرية المطلقة تتحقق بالكامل حين يصبح الواقعي متطابقًا مع الفكر المطلق. وهذه هي المرحلة العليا التي ينتهي فيها التاريخ بمفهومه السابق، والتي أطلق عليها فلاسفة اليونان «العصر الذهبي» واعتقدوا أنه عهد بائد لا أمل في عودته.
تكملة الكلبيين وما يلفت النظر أنّ دعوى فوكو ساندتْها بياناتٌ وتصريحاتٌ من مراكز أبحاث ومواقع عليا في المؤسّسات الدوليّة والدّينيّة: أمثال "الكرامة المُطلقة" و"لا وجود للجحيم في الآخرة" و"آدم وحوّاء أسطورة تعليميّة" ممّا لا يَنطبق مع التراث المقدّس، بل إنّ المؤسّسات الرسميّة للدول طَفقت تُشرِّع غير المُشرَّع، وتبيح غير المُباح، ففي العام 1967 اعترفتْ بريطانيا بمشروعيّة المثليّين، وتبعتها الولايات المتّحدة، ثمّ توالت الاعترافات، من هنا وهناك. إلّا أنّ بعض المراكز الأخرى اتَّخذت موقفاً مُعاكساً متشدّداً في تحريم هذه الظاهرة، التي قال عنها أفلاطون في كتابه الأخير "القوانين": "هذا المسلك ليس حيوانيّاً، بل أحطّ من الحيوانيّة". والصراع مُستمرّ في هذه القضيّة، وإن كانت معظم دول أوروبا قد قَبلت بما شرّعته إنكلترا. راجت مؤلّفاتُ فوكو كثيراً بَعد وفاته، مع أنّ وصيّته، كوصيّة روك هدسون وسواه، بوقْفِ ثروته على مُكافَحة الإيدز، اعتبرها بعضهم نَوعاً من التوبة، وحيازةً لصكّ غفران، تكفيراً عن تصرّفاته وأفكاره التي راجت كثيراً، بعد وفاته ووفاة الكثيرين من المشاهير والمغمورين في العالَم بهذا المرض الوبائي الساحق. إنّ إشارتنا إلى الأصل الفلسفي الذي نتوّهم أنّه يقف وراء نظريّة فوكو وسواه في السعي لإحقاق الحريّة في أعلى درجاتها، ليس للتنديد ولا للتأكيد، بل للمُقارَنة ولفْتِ النَّظَر. على أيّ حال، دعواتٌ مشابهة كانت قد ظَهرت قَبل عصر فوكو، أمثال بابوف وباكونين وماركس وبرودون وغودوين وفريدريك إنجلز وإيما غولدمان... ولدى كثير من أبناء العصر الحديث، وفي طليعتهم الداعية النسويّة الشهيرة سوزان سونتاغ، في تقديسها للحريّة المُطلقة، وبالأخصّ الجنسانيّة، التي من دونها لا يكون هناك تحرُّرٌ حقيقي، كما تؤمن هي، وتؤمن معها جماعاتٌ عديدة من الحركات النسويّة، وبخاصّة اليساريّة المتطرّفة.
* كاتب وناقد من سوريا
* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.