إنَّ السوسيولوجي المغربي عبد الكبير الخطيبي هو مَن أَثَّث المكتبة العربية بهذا المتن الفكري، وقد اتسمت كتاباته بفكرة مبتكرة لم يألفْها البحَّاثة من قَبل، وقد سمّاها «النقد المزدوج»، وانفردت مؤلفاته بالجمع بين الميادين المعرفيّة المتباعدة، قبل أن ينجح في أن يُقرِّبَ بعضها من بعض: الإبستمولوجيا، والسميوطيقا، وفكر الاختلاف.
ويُعَدُّ الخطيبي أحد أميز أعلام الحداثة في الفكر المغربي، وأكثر الباحثين اكتسابا لمُنجزات الفكر الغربي، قبل أن يندسَّ فيه محاولا نسفه، معتبرا الحداثة، التي يعتز بها الغرب، والتي جذبت انتباه ألْمع المفكرين العرب الحالمين بالرّفعة ومناطحة الغرب، وذلك في نظرهم صعب التحقيق من دون المرور بالتجارب نفسها التي عاشتها الضفة الأخرى، معتبرا إياها «تقليدا جديدا» جاء ضد «التقليد القديم»، وعَنيَ بهذا الأخير: الموروث الحامل للهوية، والحافل بالثقافة الشعبية، والحافل باللغة بوسمها أسّ الهوية ونواتها.
لا مرية في أن يُنظر إلى كتابات الخطيبي بأنها تبشيرٌ صريح بضرورة التأمل في النتائج التي تلت تجربة الحداثة الأوروبية، وهذه الدعوة تتمظهر من خلال تنبّؤِهِ بالحظوة التي سيظفر بها العلم مستقبلا في ظل انكماش الفكر التقليدي الشفهي وتقهقره، ويظهر أيضا في سياق معاداته الفكر العاجز عن استنباط قيمة العقل وفائدة العلم والتقنية، وقد سماه الفكر التقليدي - اللاهوتي «وارث حضارة المكتوب» (الخطيبي - السياسة والتسامح - 1998 - ص 25)، ويظهر أيضا تقريظه الفنون، وفي طليعتها فن السينما، وأعرب عن تفاؤله الكبير بالمنزلة التي ستعتليها الفنون مستقبلا. وهذا التمدح الذي قابل به الخطيبي الحداثة لم يكن من باب تفخيمها وتعظيمها، وإنما قَصْدَ تفهُّم حصائلها، لتقويضها وهدمها من داخل نسقها لا من الخارج. ولعل ما يُستجلى هنا أن الخطيبي يُنافح بكل شراسة عن الفن والثقافة، وذلك نابعٌ من تفطنه إلى أنهما مقومان أساسيان وضروريان للوصول إلى مصاف الفكر العالمي - الكوني، لكونهما ينطلقان من الخيال والوجدان، وهذا ما يمنحهما نسبة عالية من الصدق، وينكبان على فضح الواقع على الرغم من استنادهما إلى الخيال.
انطلاقا مما كتبه الخطيبي، قد يلمس المتلقي نظرة مغايرة منه إلى التراث، على خلاف د. عبد اللّه العروي، إذ إن الأول يرى أن التراث حافل بما هو محمود، وفيه أشياء مضيئة مهملة، ومنسية، بخاصة في مجال الفنون التعبيرية، تستدعي العودة إليها وتحيينها وتجويدها، فلربما تُسعف في إحراز الانتهاض، وهذا ما يمكن استخلاصه من القول الآتي: «الفن هو الزركشة على الماضي مع الابتكار» (نفسه - ص 39).
إنّ دوام واستمرار حضارة ما من عدمه يرجع بالضرورة إلى المهارة المنظمة التي تخلقها الفنون والحرف اليدوية التقليدية - البسيطة؛ حيث إن من شأنها تعزيز موروث الحضارة، ودعم قوتها الحية أيضا. وقد فصَّل الخطيبي في هذا الموروث مُميِّزاً بين أربعة أصناف منه، أولاها: الصوتي الذي هو كناية عن الموسيقى بمختلف أشكالها وأنواعها والأهازيج الشعبية، وثانيها: الحركي (الرقص)، وثالثها: المنقول، وهو كناية عن التحف الفنية، ورابعها: الموروث الثابت (العمران).
نقرأ للخطيبي في سياق اهتمامه بالتراث بغية تقويضه هو الآخر في نهاية المطاف: «كل مسجد أو قصر أو قبة مزار في أي مكان في المغرب، وكل شيء منحوت بمهارة أو بسذاجة، يدعو إلى تجميل الحياة». إن ما يستخلص من موقف الخطيبي تجاه التراث الثقافي هو حثه على فكرة فحواها أن ما من سبيل إلى تجاوز موروث الحنين دون تقليده، وهذا ما سيُيَسِّر خلقه من جديد (ص 39 - 40).
لا يَنفي الخطيبي صفة الجمود والركود عن التراث العربي، وفي المقابل يُنقب ويُفتش عن المُتألِّق الوضَّاح فيه، بخاصة في الحقل الفني، الذي يسعد بمكانة سامقة في التراث، على الرغم من أن تلك الفنون قد تبدو الآن مُتجاوَزة ومُبتذَلة، لكن يجب النظر إليها بعين السياق التاريخي الذي وُلِدت ونشأت فيه، ولعلّ هذا ما دفع الخطيبي إلى الاهتمام بها وفحْصِها وانتقاءِ أجودها.
وصف الخطيبي التراث بأنه «عودة المَنسي» (الخطيبي - المغرب وقضايا الحداثة - 2009 - ص 134)، بمعنى استعادة المُهمَل والمُفرَّط فيه والمُهمَّش من التراث، وتسليط الضوء عليه، وكشف مناقبه قبل مثالبه.
من خلال ما سبق يُستنتج أول تعارض بين الخطيبي و«داعية التاريخانية» عبد الله العروي من باب التمثيل لا الحصر، فإذا كان هذا الأخير رافضا لما يَحفل به التراث العربي الإسلامي، من دون أن يمنحه فرصة للانتقاء والمساءلة، فإن الخطيبي اختار العودة إليه، والنَّبش فيه عن المضيء والنَّجيع، ولاسيما في عالم الفن الذي سلب اهتمام الخطيبي (التصوُّف - الموسيقى - الثقافة الشعبية «الوشم» - التشكيل - السينما... إلخ)، وكانت له غاية، كما تمَّ تأكيد ذلك آنفاً، وهي خلْخَلته ونقده في إطار السياسة النقدية التي اتَّبعها في كل ما كَتب «النقد المزدوج»، بخاصة ذلك الجزء من التراث الذي «يَنطق بإقامة الإلهي والمُتعالي والمُفارِق في قلوب البشر وعقولهم» (نفسه - ص 134).
شكَّل مفهوم «النقد المزدوج» نقطة مركزية في فكر عبدالكبير الخطيبي، ويَقصد به النقد الذي يتجه صوب «الحداثيين والتقليديين» (محمد الشيخ - المغاربة والحداثة - 2007 - ص 72)، وهو نقد يصيب به الذات، وما ورثته من هوية وموروث ثقافي، ويصيب الآخر كذلك، أي الجمع بين تقريع الذات الإسلامية المتمركزة حول الهوية والتقليد كـ«ميتافيزيقا مكتملة» (نفسه - ص 60)، أي واهنة ومتخاذلة، ونقد الرؤية الميتافيزيقية الغربية.
يفرض مفهوم النقد الإبانة عن معناه في متن الخطيبي، وهو «القيام داخل الموقف لتفجيره وتقويضه» (الخطيبي - نحو فكر مغاير - 2013 - ص 13). يُستنتَج أن النقد المزدوج الذي آمن به الخطيبي لا يُحرَزُ إلا عَبْرَ الغوص في كل منظومة فكرية، تقليدية كانت أم حداثية، لفهم مراميها، والتفطن إلى مداميكها، ومعرفة المقومات التي أسهمت في قيامها، واكتشاف نقاط ضعفها وقوتها، ثم بعد ذلك الخوض في نسفها من الداخل لا من خارجها، والفرق بين العمليتين لا يستدعي الإيضاح. ولولا ذلك ما كان ليتسنى تحقيق النقد المزدوج الذي وزعه الخطيبي بالتساوي والعدل، إذ نَقَدَ التراث العربي الإسلامي، ودعا إلى الاهتمام باللّمَّاع والنيِّر والمُفيد فيه، وانتقدَ الميتافيزيقا الغربية على الرغم من نجاحاتها الباهرة التي استطاعت تحقيقها منذ ميلادها.
ثلاثة تكتلات فكرية
قدم الخطيبي، في إطار اشتغاله على الفكر المغربي، تقسيما مهما اعتبره المُشَكِّلَ للمنظومة الفكرية في المغرب. وقد أقر بوجود ثلاثة تكتلات فكرية فرضت نفسها: التراثويّة، وعَنِيَ بها التحوُّل الذي بَغَتَ الميتافيزيقا، وسارَ بها إلى التحلّي بوشاحٍ لاهوتيٍّ صرف، ثمّ السلفيّة، وهي الاتجاه الأصولي الذي تشكَّلَ وتكوَّن غداة تحوُّل الميتافيزيقا إلى مذهب (عادة اجتماعيّة - فكرة- سلوك سياسي)، وسعى هذا الاتجاه إلى أن يكون «ردة فعل جدلية على الليبرالية» (Laroui, Islam et modernité, 2009, p.135)، ومن هنا تولدت دعوة العروي إلى أن الليبرالية هي نقيضة السلفية، وهي وحدها القادرة على اجتثاثها، وقد ظلت السلفية تروم «إصلاح وترميم انحطاط العالَم وضلاله».
وتجدر الإشارة إلى أن هذين المسارين الفكريين قد صار اللاهوت (سلطانهما الديني على حد تعبير الخطيبي) متحكما فيهما من دون أن يتمتعا بالقدرة على الارتداد والانقلاب عليه. كما أنهما وقعا ضحيّةَ خلط خاطئ بمحاولة المؤالفة بين التقنية وسلطانيْهما: اللّاهوت (المغرب وقضايا الحداثة - ص 145).
أما التيار الثالث فهو العقلانية (الوضعية العلمية) التي بانت تجلياتها بعدما أضحت الميتافيزيقا تقنية. والتقنية هنا تكتسي المعنى الهايدغري، وهذا المعنى يسعى إلى إثبات أن التقنية هي «قَدرٌ عالَميٌّ، ولها شمولية عامة باختلاف صنفها وموضوعها» (نحو فكر مغاير - ص 11). ربما قد يلمس المتلقي تشاكُلاً جليّاً بين هذا التصنيف وبين التقسيم الذائع الذي قامَ به العروي للأدلوجة العربية المعاصرة حينما ميَّز بين الشيخ والليبرالي وداعية التقنيّة. كما يَتقاطع التمييزُ الذي قامَ به الخطيبي مع قانون الحالات الثلاث الذي سنّه أوغست كونت: اللاهوت، والميتافيزيقا، وصولا إلى المرحلة الوضعيّة.
مُجمل القول: إن عبدالكبير الخطيبي هو مفكّرٌ يجمع بين المتناقضات في يدٍ واحدة، وذلك في سياق تقصُّده إحراز الإصلاح، ومُعانَقة النهضة من خلال الغوْرِ في التراث، والنَّبْشِ في دُرَرِه وخلْخَلته، وأيضا مُميِّزاً المُنير عن القاتم من دون الوقوع في دسيسة القطيعة معه وطيِّ صفحته مثلما دعا إلى ذلك، بصريح العبارة، عبدالله العروي.
والشيء نفسهُ حصل مع الحداثة الغربيّة التي غاصَ فيها الخطيبي، وفي الآن نفسه حملَ معولَه وتغيّا نسْفَ مقولاتِها وقيَمِها، مُعتبراً إيَّاها حاملةً لمثالب عديدة من دون أن يتغافل عن مناقبها، وهو بذلك، يُعاكسُ العروي تلقائيّاً؛ حيث إنَّ هذا الأخير يعِدُّها موجةً كاسحة لا رادَ لها، إذ يعتقد أنَّها دلفت مجمل المجتمعات مُحدِثةً هزّة ذهنيّة قويّة أربكتها، لتجعلها متأرجحةً بين الرّافض والمُعادي لها، والمتبنّي لأفكارها ومقولاتها إمّا بشكلٍ مطلق أو باجتزاء. أمّا الخطيبي فقد وَصَفها بأنّها "ابتكارٌ للمستقبل" (السياسة والتسامح، ص25)، وربْطُهُ بين الحداثة والمستقبل هو دعوةٌ مُضمَرة إلى اللّامبالاة بماضي الغرب الذي يُعَدّ أرقى وأسمى ما حقَّقه الغربيّون، وبدل ذلك وجبَ التفكير في ما هو آتٍ، لا الاهتمام بما مضى وانقضى، على الرّغم من أنّه يَحفل بمحاسن عديدة. بيدَ أنَّ السياقَ التاريخي والمناخ العامّ يختلفان كليّاً عن الشروط التي قامَت بدَورٍ حاسم في تبلْوُرِ الحداثة الغربيّة، ومن ثمّة يَجب الانطلاق ممّا هو متوفّرٌ وموجود لا الاندفاع ممّا يُساوِر الذهن ويَطمح إليه. فضلاً عن أنّ لفظة الابتكار في تعريفه للحداثة يوحي إلى التقنيّة بالمعنى الهايدغري التي تعني عند الخطيبي: "منطق عقلانيّة علميّة في كلّ الميادين" (الخطيبي، النقد المزدوج، 2000، ص47)، وهي في نظر هايدغر "جوهر الحداثة" (محمّد سبيلا، مدارات الحداثة، 2009، ص241) ومدماكها الأساس. ومن ثمَّ فإنّ أُفق النهضة، في نَظَرِ الخطيبي، قوامه النقد المزدوج للذاتَيْن العربيّة والغربيّة، وترسيخ فكرة التقنيّة بحسبانها مركز الحداثة، والعودة إلى التراث واستحضار منهج الانتقائيّة خلال هذه العودة، و"تجاوُز النّزعة التاريخيّة التي تُفسِّر المسائل جميعها عن طريق الأحداث التاريخيّة وتُرجعها إلى بنيات تلك الأحداث" (النقد المزدوج، ص12). ومن خلال هذا التصوُّر يُمكن القول إنّه لم يكُن ميّالاً إلى التراث الذي أكّد على لزوميّة قراءته وفحْصه لأخْذِ ما هو مُجْدٍ ونجيع منه، والتغافُل عمّا هو سلبيّ وجامد، كما لم يتولّع بحصائل الحداثة الغربيّة ونتائجها، بل نَظَرَ إليها بتروٍّ كبير وتمعُّنٍ في خلاصاتها ليَصفَها بأنّها مجرّد "تقليد جديد".
* باحث في الفلسفة من المغرب
* ينشر بالتزامن مع دورية «أفق» الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي