أبى كرم الأستاذ سمير الشهابي القائم بأعمال السفارة السعودية في روما إلا أن أقيم إلى يوم الخميس، لكي يدعو بعض العلماء الذين يعنون بالدراسات العربية، إلى حفلة غداء في دار السفارة، وما كنت راغبا في ذلك، إلا أن ما شاهدته من كرم خلال الأستاذ الشهابي أبى علي إلا أن أقابل دعوته الكريمة بالشكر والقبول.

كان من بين المدعوين - وهم قليلون - المستشرق المعروف الأستاذ «غبريلي» أستاذ الأدب العربي في جامعة روما، ومعاونه وهو شاب مستشرق زل عني اسمه، والأستاذة «ماريا نلِّيْنُو».

وقد أمضيناها سويعات قصرها لطف الداعي وكرمه، وما أفضينا في الحديث عنه، من أخبار الكتب والمكتبات، وآثار المعنيين بالمخطوطات.


في مكتبة المجمع العلمي الإيطالي: حدثني الأستاذ «غبريلي» وهو شيخ في الخامسة والستين ويتحدث العربية بطلاقة وهو عضو مراسل للمجمع العلمي العربي بدمشق، ولمجمع اللغة العربية في القاهرة حدثني عن مؤسسة الأمير المستشرق الإيطالي «كيتاني» التي هي الآن قسم من مكتبة «المجمع العلمي الإيطالي» وذكر أن فيها بعض مخطوطات عربية، وفيها قسم كبير من المخطوطات العربية المصورة، ورغبني في زيارتها، وكنت قد عزمت على السفر غدا «في يوم الجمعة» ولكنني قررت ألا أغادر روما قبل زيارة تلك المكتبة، وفي صباح يوم الجمعة اتصلت هاتفيا بالأستاذ «غِبْريلي» وأخبرته برغبتي في زيارة تلك المكتبة، وكان قد قال لي: إذا قررت زيارتها فأنا أحب أن أكون معك، لأرشدك إلى مخطوطاتها.

أجمل ما شاهدته في المكتبات التي زرتها: قاعة الفهارس والمطالعة في «المتحف البريطاني»، وحسن ترتيب الكتب وتجليدها في المجمع «العلمي الإيطالي» التي تضم على ما يقول الأستاذ «غبْريَلي» ما يقارب نصف مليون مجلد.

قابلت الأستاذ غبْريلي داخل المكتبة، فذهب بي إلى القسم الذي تقع فيه «مؤسسة كايتاني للأبحاث عن تاريخ الإسلام وحضارته».

وتقع هذه المؤسسة في حجرتين واسعتين، إحداهما تعقد فيها الاحتفالات السنوية للمجمع العلمي الإيطالي، عندما يريد المجمع أن يمنح أحدا شهادة علمية، ويحضر هذه الاحتفالات كبار رجال الدولة، ويحضرها الملك أو رئيس الجمهورية، وفي هذه القاعة قسم من الكتب والقاعة الثانية تحتوي على عدد من الكتب العربية، تبلغ الـ15 ألف مجلد أكثرها مصور عن نسخ مخطوطة.

لم أجد في هذه القاعة، وهي المكان المخصص للمطالعين سوى سيدتين استقبلتني إحداهما بالسلام باللغة العربية، ثم قدمها إلى الأستاذ غبريلي قائلا: هذه الأستاذة «وتْشا ولي ريري» أستاذة الأدب العربي في «جامعة نابلي» فقلت لها بعد أن رددت التحية عليها: أنا لم أستطع معرفة اسمك، لغرابة الكلمات الإيطالية على سمعي، فقالت: يعرفني العلماء العرب باسم «لورا» وأنا لست مسلمة، ولكني ألفت كتاب «محاسن الإسلام»، وألفت كتاب «النحو العربي»، وكانت تتكلم اللغة العربية الفصحى بطلاقة وسرعة ووضوح.

أشار الأستاذ غبريلي إلى كتب مصفوفة في ثلاثة رفوف في أحد الصوانات «الدواليب» قائلا: هذه اشتريت من اليمن بواسطة أحد التجار الإيطاليين، وهي غير مذكورة في الفهرس المطبوع، وهو فهرس يقع في كراسة لطيفة، وضعه الأستاذ غبريلي بالإيطالية.

بدأت أنبش تلك الكتب واحدا واحدا، والأستاذة «لورا» تساعدني بتقديم الكتاب عندما تراني أريد إعادة ما بيدي إلى مكانه، بعد أن تسألني:

هل هذا الكتاب غريب، أو نادر ؟! وعندما أذكر لها اسم المؤلف تفتح كتاب «بروكلمان» وتقرأ ما كتب عنه. وقد أظهر لها جهلي عندما أطالع بعض المخطوطات - بالمؤلف أو عصره، فتوضح لي ما أجهله من ذلك.

أمضيت ثلاث ساعات، في تصفح تلك الكتب، التي طال العهد بإهمالها، حتى صار من يطالعها يتأذى من كثرة غبارها، ووجد الدود مرتعا في بعضها، دفعني إلى أن ألفت نظر الأستاذ غبْريلي إلى ذلك، قائلا: يحسن أن توضع مادة الـ«د. د. ت» لتصون الكتب من هذه الحشرات. فقال:

نعم نعم. ماذا تسمون تلك المادة باللغة العربية فقلت: مبيد الحشرات.

1960*

* صحافي وكاتب سعودي «1910 - 2000»