يروى أنَّ الفيلسوف «أبيقور» كان جالسًا في ظل شجرة زيتون، مغتمًا من انهيار دولة المدينة، وقيام الإمبراطورية، وأنَّ مشروعه لإنقاذ النَّاس من الاغتراب الوجودي لم يُجدِ نفعًا، فجاءه تلميذه «مترودوروس اللامبساكي» -ليُخفف عنه ضيقَ صدره- وسأله: يا مُعلّمي، إن كانت ذرات الكون تسقط في الفراغ بخطوطٍ متوازية فكيف التقت كي يُخلَق الكون؟ ثم ضحك قائلًا: ما الذي راود الذرات عن نفسها فلم تستعصم؟ ما الذي أغواها لترك الطريق المستقيم والوقوع في حبائل الشَّهوات؟ فقام أبيقور يرقص ويقول هي هذه، هي هذه، وجدتها، إنها الغواية. فتعجّب التلميذ وسأل: وجدتَ ماذا؟ وما الغواية؟ كنتُ أمزح لتسليتك، قال: الغواية هي وجودنا في هذا الكون. حمل أمتعته بسرعة وعاد إلى غرفته الصغيرة في البستان الذي يقع خارج أسوار أثينا، وكتب على لُفافة بردي: لولا أنَّ ذرةً غوت وانحرفت عن الطريق المستقيم لتصطدم بغيرها ما خُلِق الكون المعقّد.

مرّت السنون وازدادت آلام معدةِ أبيقور وهجمات حصوات الكلى، فعزم في عام 290 ق.م؛ على السفر إلى أرض فينيقيا وسوريا الجوفاء، للبحث عن علاجات طبية عند حكماء تلك البلاد حيث سمع وقرأ عن مهارتهم في استخلاص الأدوية من أعشاب الساحل.

وصل إلى ميناء صيدا قبل انفجاج الضوء، فتجوّل كاللص في الطرقات، ولفت نظره كثرة الأرجوان، وتكدّس التوابل حول بيوت النمل، سار حتى وجد خانًا صغيرا فاكترى منه غرفة، وبعد أن أراح جسده قام -ضحى- متوجهًا إلى السوق فأعجبه منظر اجتماع قوافل جزيرة العرب، وبحارة الإغريق، وتجار بني إسرائيل، وشقَّ طريقه من وسطهم متوجهًا إلى مظلة العطارين في الزاوية الغربية من السوق، ليسأل عن علاج آلامه، فدُلَّ على رجلٍ حكيم من أبناء كنعان اسمه موشوس الصيدوني، قابله وشرح له مشكلته الصحية، وصار يراقبه وهو يجهز الأدوية، ويجلس معه يُساعده في الدكّان حتى يُغلق وكأنَّه أجير، وانتبه إلى أنَّ موشوسَ يتحدث بلغةٍ هجينة بين إغريقية وعربية، ولهجةٍ تمزج العقلانيةَ بالأسطورة، وكيف يلتف حوله بعض الطلاب في الدكان. وفي اليوم الثاني من جلوسه في الدكان سمع موشوسَ يقول لأحد الطلاب: وما كان آدم إلا ذرةً اصطدمت بحواء بعد غواية الشجرة، فخلق الله الكونَ، ليكون مكانًا للغواية.


اندهش أبيقور من توافق حكايته -وتلميذه مترودوروس- مع لفظِ الكنعاني، فسأله: من أين لك هذا الكلام يا موشوس؟ قال: هذا ما حدثنا به تجار بني إسرائيل، ونحن لا نُصدّقهم ولا نكذبهم حتى نعرض ما قالوه على لغتنا، قال أبيقور: وكيف تعرضونه على لغتكم؟ قال: نردُّ ما نسمع إلى الجذور اللغوية الأولى في الجزيرة الجنوبية الكبرى، فآدم وحواء وكذلك الذرة كلها لها دلالة حقيقيّة من الواقع وليست مجرد أسماء. هنا وجد أبيقور فرصةً ليختبر معنى الذرة عند جماعته الإغريق وجماعة هذا الرجل فقال: فما الذرة؟ قال: النملة، قال أبيقور: ولكنَّك تقول «وما آدم إلا ذرة»، قال: نعم، كان بحجم النملة، ويمشي كمشيها، لا يعترضه عارض في طريق مستقيم حتى اصطدم بحواء فكان الكون كله. هنا عزم أبيقور أن يُطيل بقاءه في هذه البلاد، كي يتزوّد من هذه الحكايات التي تُغوي، ويعرف مصادرها. وقد سكن أبيقور في عدة مدن، وتنقّل بين أساتيذها، ووقف -في مدينة جُبيل- مشدوهًا أمام رجلٍ يصعد على صخرةٍ وينشد، والناس حوله يسمعون ويُسجّلون في القراطيس ما يقول، فسأل أبيقور عنه فقيل له: هذا شاعر اسمه الحارث النبطي. ابتسم ابتسامة المندهش فقد ذكّره هذا المشهد بعرَّافة دلفي التي تجلس على الصخرة وتتلقى العلم من مكانٍ ما وتمليه على الكهنة، لكنَّ الذي أنساه المدهشات كلها أنَّه لمَّا سافر إلى دمشق جلسَ في مجلس الشيخ أبجر الدمشقي وسأله عن هذا الرجل وصخرته؟ فقال: هذا رجل يأتيه العلم من عالم الذرات ويُخبر به الناس. لم يكن يتوقع أبيقور أنَّ ذرته ستتحول إلى عالم يمشي على الأرض بهذه الطريقة الغريبة، وقد كان يكتب مذكراته - آنذاك - فأضاف إليها فصلًا مهمًا عن مشاهداته الغرائبية في البلاد العربية الصخريّة (هكذا سمَّاها)، وضمَّنها مفارقات ومقارنات في تاريخ الذرة وفلسفة الوجود، وقد أنهى الفصل بمقولةٍ سارت مسير الشمس، يقول: لقد حوّل العربُ سحر الغواية إلى ديوانٍ للتاريخ.

مضت السّنون، وتوالى المحققون على شرح هذه المذكرات زمنًا بعد آخر، وشرحِ المقولة الأخيرة عندما يُريدون أن يفهموا العرب الصخريين، ويُدونوا تاريخهم، حتى وقعت المذكرات بين يدي ورقة بن نوفل في أحد حوانيت جُبيل، فأخذها إلى مكة وترجمها، لتصير: الشعر ديوان العرب، والشاعر نبي القبيلة ومُوثِّق أيام سحرها بالواقع. لما اطّلع أبو العلاء المعري على لفائف ترجمة ورقة بن نوفل، تذكّر قولَ ابن عباس: «إذا أشكل عليكم الشيءَ من كتاب الله، فالتمسوه في الشعر، فإنَّ الشعر ديوان العرب»، ثم ضحك حتى استنكر عليه أحدُ طلابه، وألحَّ عليه أن يُخبره عن السبب، فقال له: امسك القلم واكتب عني: لعمري ما كان العرب إلا سحرةً خاملي الذكر، فلما جاء الإسلام صاروا سحرةً متوَّجين بصيت الغواية، كانوا يحملون عبء الحقائق في الوديان المتعددة، حتى جاءهم الإسلام فحصر العبء في الوادي المقدس، وأطلق الشِعر من عقاله ليطير- بلا قيد - في فضاء الغواية. فيا للعربي الذي يُقدس القرآن لأنَّه مجده وغوايته.

التفاتة:

يروى أنَّ أبا إسحاق النظّام - شيخ الجاحظ - استأذن هارون الرشيد وهو في ديوانه، أنَّ يُفسر آية «والنجم إذا هوى» فأذن له، فقال: النجم هو الشِعر، والقرآن يُمجّد الشعر ويقدسه، لأنه البرهان الوحيد على حقيقة: «ما ضل صاحبكم وما غوى».