العناية المركزة، المكان الذي يعمل فيه الطبيب، محاطًا بما يأمله الأهل وما يمليه عليه الواقع، وما تفرضه عليه القوانين، وهو الأكثر خطورة في العالم، حيث يطوف ملك الموت، يقبض من كُتب عليه الموت ويترك من له أجل بعد حين، الذين يموتون ليس شرطًا أن يكونوا الأكثر تعبًا، فالأصحاء يموتون أيضًا، تعددت الأسباب والموت واحدٌ.
في السنوات الأخيرة، كثر الحديث عن ارتفاع وفيات العناية المركزة، سواء في أقسام الكبار أو حديثي الولادة أو الأطفال، والجميع يبحث عن السبب، هل هناك تقصير أو تأخير؟ هل فشلت الأجهزة؟ أم أنها غير كافية، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا وأشد قسوة. مع تقدم الطب أصبحت فرص الحياة أكثر، لكن الحالات أكثر هشاشة من أي وقتٍ مضى، منذ القدم، كثير من المرضى يتوفون قبل الوصول إلى العناية المركزة أصلاً. أما اليوم، فالتقنيات الحديثة، وأجهزة التنفس، والأدوية الداعمة للدورة الدموية، والجراحات الدقيقة، جعلت البقاء على قيد الحياة ممكنًا، المقاومة مختلفة عن التعافي والشفاء، ولنشوء كثير من المضاعفات يصبح الموت متوقعًا، لذلك يبدو ملف وفيات العناية المركزة اليوم أكثر ثقلًا من أي وقت مضى، ليس لأن الطب فشل، بل لأن الطب أصبح يحاول إنقاذ حالات لم يكن من الممكن إنقاذها سابقًا.
في وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة مثلا، أصبح بالإمكان إنقاذ أطفال يولدون مبكرًا، قبل أن يكملوا شهرهم السادس من الحمل، وأوزان لا تتجاوز أحيانًا 500 جرام، مواليد لم يكن لديهم فرصة للعيش من قبل، كانوا يتركونهم حتى يقضوا نحبهم بعد ساعات من الولادة، هذا إنجاز وتقدم طبي هائل، لكنه يحمل معه وجهًا آخر لا يراه الناس، فكلما كانت البداية هشة، أصبحت الحياة تحديًا أكبر، الأهل يرون طفلًا صغيرًا يتحرك داخل الحضانة، فتولد لديهم تلقائيًا صورة مستقبله، خروجه، غرفته، دراسته، وربما تخصصه، بينما يرى الفريق الطبي شيئًا آخر، رئة غير مكتملة، نزيفًا دماغيًا متقدما، التهابات خطيرة، أعضاء لم تنضج وظيفيًا، وتشوهات خلقية تصعب معها الحياة، وهنا تبدأ الفجوة المؤلمة بين الأمل والواقع.
الأمر ذاته يحدث في عناية الكبار، فكثير من المرضى اليوم يصلون إلى العناية وهم يحملون أمراضًا مزمنة معقدة، السكري، الفشل الكلوي، ضعف القلب، السرطان، السمنة الشديدة، ضعف المناعة، والشيخوخة.
العناية المركزة لا تستقبل الإنسان في أفضل حالاته، بل في أكثر لحظاته هشاشة، ومع ذلك، يظن بعض الناس أن دخول العناية يعني بالضرورة النجاة، وكأن الأجهزة وعدٌ بالحياة، لا محاولة أخيرة للحفاظ عليها. الحقيقة التي يؤمن بها العاملون في العناية المركزة جيدًا هي أن الطب ليس إلها، بل هو علم يعالج، يقاوم، يؤخر، يدعم، ويخفف الألم، لكنه لا يستطيع دائمًا أن ينتصر. ومن الأسباب التي رفعت معدلات الوفيات أيضًا، التغير الكبير في طبيعة الأمراض نفسها، البكتريا أصبحت أكثر مقاومة للمضادات الحيوية، العدوى داخل المستشفيات أشد تعقيدًا، وكثير من المرضى يصلون متأخرين بعد أن يكون المرض قد استنزف الجسد بالكامل. وفوق ذلك كله، الإرهاق الهائل الذي تعيشه المنظومات الصحية حول العالم، كنقص الكوادر، ضغط الأسرة، الاحتراق الوظيفي، والمناوبات الطويلة التي تستهلك الأطباء والممرضين نفسيًا وجسديًا، ورغم ذلك كله تستمر العناية المركزة في القتال كل يوم.
المشكلة ليست في ارتفاع الوفيات، بل في الصورة التي رسمها الناس عن الطب، وقصص المعجزات الطبية حتى نسيت أن الموت ما زال جزءًا من الحياة، وأن بعض المعارك لا تُحسم مهما بلغ التقدم العلمي.
في العناية المركزة، يتعلم الإنسان درسًا قاسيًا، فليس كل مريض يمكن إنقاذه، وليس كل حب قادر على إبقاء من نحب أحياء.