والذي يهمني هنا هو ترجيحه -بأسلوب يميل إلى الجزم- أنّ الموت غير مؤلم، واستدلَّ على ذلك بكثير من الحجج الحسيّة والعقليّة، وقال: «إنّ كلَّ من يراه الناس وهو يموت وهو في عقله إذا سأله أحدٌ عَمّا يجد، فإنه يقول: لا شيء إلا الانحلال فقط، وكل من يحسّ عند الموت ألمًا فإنه ألمُ المرض الذي كان فيه، كالوجع المختصِّ بمكانٍ واحد..»، كما ردَّ على المبالغين في وصف شدة الموت وصعوبته وأوجاعه، بل نفى تلك المزاعم؛ لأن القائلين بها لا يملكون أيَّ برهانٍ سليمٍ يثبت صحّة مزاعمهم في نظره.
وقد تناول في الرسالة عدّة أمور، من أهمها - بتلخيصي- حديث النبي عليه السلام: «إنّ للموت لسكرات»، فقال إنّ ذلك حقٌ بلا شك، ولكن ليس فيه حجة على وجود ألم للموت؛ لأنّ هذه الآلام التي تظهر من المريض إنما هي آلام المرض ما دامت النفس متشبثة بالجسد، لا بعد الموت، وقد يكون النبي يقصد حال الفراق، وحال الفراق أليم، أو يمكن أنه عليه السلام يصف ما يكون سبباً للموت، من فساد الجسم واضطراب حاله الموجب للموت، فهذا من سكراته؛ وقد يكون ذلك لعناء في النوم، أو قد يكون يقصد ما يتخوّف منه بعد الموت...إلخ.
والحقيقة أنّي قرأتُ تلك الرسالة واستوعبتها قبل زمنٍ طويل، وأغلقتُ عليها أبوابَ الذاكرة، ولكنّ الذي دفعني للرجوع إليها، وتلخيصها هو ما وجدته مؤخرًا من اتفاقٍ جميلٍ بين أربعة أطباء معاصرين من أهل الاختصاص، على أنّ الموت عملية مريحة جدًا وسعيدة وغير مؤلمة البتة.
أولهم مدير أبحاث العناية المركزة والإنعاش في كلية لانغون بجامعة نيويورك الدكتور سام بارنيا، الذي ألّفَ العديدَ من المؤلفات حول الموت، وكان قريبًا من آلاف البشر وهم يموتون.. يقول في كلامه المنشور في صحيفة «الديلي اكسبريس» البريطانية:
«عندما نموت، لا تكون تلك التجربة مزعجة بالنسبة للغالبية العظمى من الناس، فالذين يموتون بشكل طبيعي، حتى لو كانوا يعانون من الألم قبل موتهم، تصبح عملية الموت مريحة للغاية، بل هي تجربة سعيدة وهادئة».
وثانيهم الدكتور العراقي عبد الله النائلي، وهو جرّاح أعصاب مهتم بموضوعنا، يقول –بتلخيصي وبتصرّف يسير- في لقاء معه على قناة الرابعة الفضائية:
«لا يوجد أيُّ ألمٍ في الموت، فهو يشبه التخدير، وهذا ما يجب أن نطمئن به كلَّ البشر، فعملية الموت نفسها غير مؤلمة، ولو امتلكَ الأمواتُ قدرةً على أنْ يخبرونا لخرجوا وقالوا لنا ذلك، أمّا الموتى الذين نراهم يتألمون فهؤلاء يتألمون من سبب الموت وليس من عملية الموت». ويضيف: «لكلامي أساسٌ علميّ، فالإنسان الطبيعي يتنفس في الدقيقة تقريبًا من 20 إلى 30 مرة، أمّا عندما يدخل الإنسان في مرحلة الاحتضار، فهو يمرُّ بفترة قبل الوفاة تسمّى (التنفس البطيء)، حيث ينخفض عدد مرات التنفس إلى ما يقارب 5 أو 6 مرات في الدقيقة، ثم ينخفض أكثر حتى تحصل الوفاة، وهذه العملية تفعل فعل المخدرات المريحة للدماغ».
وثالثهم الأستاذ في جامعة «غرينتش» اللندنية الدكتور ديفيد لوك، الذي يقول في نتائج دراسته عام 2023: «هناك أدلة جيدة تشير إلى أنّ مادة DMT المهلوسة المخدرة تُفرَزُ بكميات أكبر عند الوفاة في دماغ الإنسان، وقد وجدَ العلماءُ أنّ تجارب تعاطي العقاقير المهلوسة وتجارب الاقتراب من الموت تتشابه إلى حد كبير».
ورابعتهم الدكتورة جيمو بورجيغين، وهي عالمة أعصاب وأستاذة في جامعة ميشيغان، اشتهرتْ بأبحاثها حول نشاط الدماغ أثناء الموت، تقول في كلامها المهم الذي نشرته «بي بي سي» وبتلخيص وتصرّف منّي: «ظهر من دراساتنا للعديد من الحيوانات والبشر، أنّ الدماغ يكون في حالة نشاط مفرط عند الموت، حيث يزيد إفراز أحد هرمونات السعادة (السيروتونين) بواقع 60 ضعفاً كمتوسط تقريبي، كما يزيد إفراز (الدوبامين)، وهي مادة كيميائية تجعلك تشعر بالسعادة، بواقع 40 إلى 60 ضعفاً، وأيضاً: يزيد إفراز مادة النورإبينفرين، التي تجعلك تشعر باليقظة الشديدة، بنحو 100 ضعف، ومن المستحيل رصد مثل هذه المستويات العالية عندما يكون الكائن على قيد الحياة».
وختامًا: ستكون لي بعون الله مقالات قادمة تتماهى مع هذا الموضوع، خاصة ما يتعلق بتجارب العائدين من الموت، كما يطلق عليهم، بصفتي عضوًا في مؤسسة «NDERF» التي تعنى بأبحاث تجارب الاقتراب من الموت.