كان الفقهاء يؤمنون أن اللغة وسيط نقي لفهم الحقيقة التاريخية كونهم يتعاملون مع ماض يتمركز حول الرغبة في استعادة العصر النبوي من آثار الماضي. استعادة التاريخ تتطلب تصوير الماضي من خلال التعامل مع كم هائل من الأدلة والأخبار، وليس مع كمية محدودة من الأدلة. سواء كانت نصوصا مقدسة أو نصوصا أدبية أو أخبارا وتراجم، تمثل المادة الخام في صناعة التاريخ أو استعادته بموضوعية، وخلق أقرب صورة واضحة للماضي.
كانت الشعوب تحفظ أخبارها وأنسابها وحروبها شفهيا، والرواة ينقلون الأحداث من جيل إلى جيل شفهيا، وبعد المرحلة الشفهية تتحول الأخبار المتفرقة إلى ذاكرة مكتوبة، أي تتحول الذاكرة الجماعية للأمة إلى «تاريخ مكتوب»، يعرف بوصفه سجلا أكثر ثباتا من الروايات المتناقلة شفهيا. وفي حالة الفقه الإسلامي فإن الفقيه يتعامل مع كمية ضخمة من البيانات، من نصوص مقدسة وأحاديث نبوية وأقوال للصحابة وقصائد شعرية لا حصر لها من عصور مختلفة، فكيف يمكن للنظرية الفقهية أن تخلق من الحوادث المتفرقة نظاما متسقا يمكن معالجته وفهمه.
الفقيه لا يبني الحكم الشرعي على نص واحد مستقل، بل ينظر في مصادر متعددة (القرآن والسنة وأقوال الصحابة والإجماع والقياس والنصوص اللغوية والأدبية وأسباب النزول ومقاصد الشريعة والواقع والعرف) وهذ يشبه من ناحية ما التعامل مع مجموعة بيانات متعددة ومتنوعة. ومعالجة الحكم الشرعي من خلال كم هائل من المصادر والأدلة، يقربنا لحد كبير لمفهوم «البيانات الضخمة» أو «Big Data» التي يقوم عليها جملة وتفصيلا الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي لا يعمل بكفاءة عالية إلا عند تزويده بكميات كبيرة من المعلومات والبيانات، تشبه لحد كبير دائرة الروايات والأدلة التي يعمل عليها الفقيه. بيانات الحاسوب تتكون من نصوص وصور وفيديو وتسجيلات صوتية وبيانات مواقع بأعداد هائلة لا يمكن للذكاء الاصطناعي العمل دونها، لأنها تسهل عليه فهم الخوارزميات التي تمكنه من اكتشاف الأنماط والعلاقات داخل البيانات.
علم الفقه يقوم كذلك على اكتشاف الأنماط والعلاقات، من خلال استنباط العلل والقواعد العامة وفهم مقاصد الشريعة، من خلال كم كبير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المسجلة والرواة وقصائد الشعر المتنوعة التي تساعد في فهم السياقات اللغوية للتاريخ النبوي.
فالفقه الإسلامي عبر قرون طويلة من النقاش المدون والتصحيح والمقارنة والتدوين لكل صغيرة وكبيرة، نجح في صناعة قاعدة بيانات ضخمة تشبه فكرة تراكم البيانات والخبرات في الأنظمة المعرفية الحديثة التي تقوم على الذكاء الاصطناعي.
الفقه لم يكن مجرد أحكام دينية، بل أيضا مشروع ضخم لإدارة المعرفة ومعالجة كم هائل من الأدلة المتفرقة في شتى مجالات المعرفة.
ولك أن تتخيل كم من البيانات يحتاج الفقيه لمعرفة صحة سند رواية ما من صحة متنها، وكيف يمكن أن يتحول الماضي إلى نظام قابل للفهم.
فمن خلال مادة معرفية ضخمة استطاع الفقهاء تطوير خوارزمية بشرية وبناء نموذج وقواعد استدلال للتحكم في المخرجات، أي أن أصول الفقه يمكن قراءته بوصفه نظاما منطقيا للتفكير ومنع الفوضى التأويلية. علم الفقه والذكاء الاصطناعي كلاهما يقوم على اكتشاف الأنماط داخل كم كبير من المعلومات، وتحويل فوضاها الهائلة إلى نظام قابل للفهم.