أطلق صاحب السمو الملكي، الأمير فيصل بن مشعل بن عبدالعزيز، رابطة «مُلّاك المتاحف الخاصة» بمنطقة القصيم، بحضور مُلّاك 50 متحفًا موزعة في مدن ومحافظات ومراكز المنطقة.

تعد تلك المبادرة، الداعمة لمجال ثقافي تاريخي لهواة النوادر، تظاهرة ثقافية حركت شغف المهتمين، وأوقفتهم على إطلالة خضراء من الأمل الواعد، الذي يدعم الحراك الثقافي والسياحي، والشراكة الاجتماعية مع قطاعات مختلفة بشتى اهتماماتها ومجالاتها، بالإضافة إلى التعاون والتفاعل مع الملاك الآخرين، بما يعزز الثراء الثقافي، وكجزء من الدعم الوطني لحفظ التراث، وإبراز الهوية الوطنية، وتشكيل الإبداع الذي لا يتوقف باستدامة التراث والثقافة.

بهذه المبادرة برزت هموم على السطح، كانت تعتلج في نفوس المهتمين بهذا المجال من هواة التراث والمتاحف، هذه الهموم كامنة مذ أن طمح هؤلاء الملاك في أن تظهر ذخائرهم إلى النور، في متحف أو في مكان عام، أو في جزء من بيته، أو بالمشاركة في فعاليات عابرة، ومنهم من بقي حبيس مستودعه ينتظر انفراجة واضحة للإعلان عن آثاره، كيلا يؤاخذ في تخطي «نظام» لا يعلم كنهه ودلالته، أو يصطدم بتعليمات كانت قيد الدراسة، إلى آخره من اللبس، والتباس عشاق الموروث بين هيئة الآثار وهيئة السياحة والوزارة، ونظام دوائر، حتى اختلط الحابل بالنابل، وبقي كل واحد يشتغل بما في حوزته على هواه، لاهياً بمقتنياته بيعاً وشراء وعرضاً وتنقيباً، وتداول معارف، ولقاءات دورية لا تتوقف.


فمن هؤلاء من أقدم وألقى الأوهام وراء ظهره في شجاعة واشتغل، وأقام متحفه متوكلا على الله، حتى تمت مهمته ونجح في استعراض مخزونه الجميل وذخائره النادرة، وصار معلماً من معالم المدينة يرتاده القريب والبعيد، ويرتاده ضيوف المدينة كمعلم حضاري ومفخرة للأهالي.

ومنهم من اكتفى بمتحف بيته، يعلن عنه على استحياء، كيلا يحتمل وزر «المخالفة»، يقصده الأصدقاء وعاشقو التراث، حتى يلوح المكان ديوانية ثقافية، يروى فيها التاريخ، ويسرد فيه القصص الشعبي، وأحوال العامة.

ومن جهة أخرى انشطرت هموم أصحاب هذا التوجه، ووجد فيها أصحابه فرصة للكسب والتجارة، فأنشأ كثير منهم منصات في وسائل التواصل الاجتماعي عبر مجموعات لعرض السلع التراثية، في تفاوت في جودتها وندرتها، وكانت مجالا خصباً تعدى الواقع على الأرض إلى الواقع الافتراضي بمراحل.

وغاب الهواة في هذا العالم السفلي، واضطربت شرارة تداول الموروث المهول في هذا البلد، حتى انبعث من دهاليزه المجهولة ليتلقفه المشترون في لهفة، إلى أن حمي وطيس المزادات، وأقبل هواة جدد، واتسعت شهية التجار للاقتناء والدخول في المزادات، وأعلنت الأسواق الشعبية وساحات التراث عن بيعات ثمينة.

ونشطت حركة الطرق لاقتناص الفرص، والمنافسة في الاستحواذ على القطع البالغة الندرة والنصف نادرة، إلى أن تماسّت تلك الهواية مع المزاج الشعبي، ورغب الناس في غشيان هذا العالم، وتداولوا مقاطع أشبه بالخيال عن الأسعار الفلكية، والذخائر المطمورة تحت الأرض وفي بيوت الطين المهمة.

وصارت تلك الظواهر المنبعثة من هواة الآثار عياناً للناس، حتى تشققت الظاهرة إلى هواة البناء، وهواة الاقتناء، وهواة المتاحف النوعية وهواة الآثار الطبيعية.. إلخ.

كل ذلك وهيئة التراث في بيات شتوي عن هذا الصخب في بيئات المهتمين بالشأن التراثي، يسألون ولا يعرفون الإجابة، يبادرون في العمل وتتوقف مهمتهم في منتصف السلم، يبحثون عن ملاذ لإقامة مزاد فيصتدمون ببيروقراطية مملة، حتى يقام المزاد في متحف خاص أو في أرض براح يعلن عنها في وسائل التواصل؛ ولذلك ما قصة سوق التراث الواقع وسط المدينة والسوق الداخلي، مغلق لسنوات إلا من حِرفي مل شغلته، أو تاجر استحوذ بالمجان على ثلاثة محال أو أربعة، وآخرون يرجون الجهات المسؤولة محلا واحداً لعرض مدخراتهم اجتهاداً منهم، ولو تمت أمنياتهم لكانت واجهة للمدينة وكرنفالا سياحياً بألوان فئوية نوعية مميزة من ذخائر علمية ومخطوطات، وأدوات صناعة نادرة ونفائس لا تقدر بثمن.

وعلمنا أن السوق، وتلك الباحة التراثية سُلمت لجهة مسؤولة لتنسيق جديد لا نعلم طبيعته بالضبط، وهذا شأن الجهة المسؤولة، ولكن ماذا بعد؟ بعد أن انزوى كبار الهواة إلى بيوتهم واستراحاتهم يعيشون أجواءهم ومتعة هوايتهم بعد سنوات من الإحباط والتيه وتشوش الرؤية، وإلا فكيف يبقى الهاوي في ترميم بيت من الطين، وهو معلم حضاري لا يقدر بثمن، في حالة من التذبذب والارتباك في اتخاذ قرار لترميم هذا البيت وتجديده، ما بين البلدية وهيئة التراث، دون نظام واضح حتى يتهدم البيت ويتضعضع من عوامل المؤثرات المناخية، ويلقى على جداره ملصق «أمر إزالة»، وحسرة بالغة ممن يعنيه أمر المدينة، والحفاظ على تراثها العمراني والثقافي.

هذا مثال واحد، والمقام لا يتسع لأمثلة أخرى، وأجناس من التراث في حاضرة المدينة وحواضر أخرى.

ما سبق هو سياق تمهيدي لإشادة أولا عن هذه المبادرة الميمونة والقائمين عليها، وصوت يهمس للمسؤولين عن اقتناص الفرصة السانحة لهذا القرار من أمير المنطقة -أعزه الله- للترتيب والتنظيم، وإيضاح المبهمات، وتجلية الأمور الغامضة، والحزم بعد اتخاذ القرار، والعمل به في تلك البيئة الحاشدة لكل الهواة على أصنافهم وهواياتهم في دائرة التراث؛ ليعمل كل من تيسر له عمله في نظام سلس مريح، بعيداً عن الإجراءات المعقدة، كيلا تتدخل الأهواء وحظوظ النفس، وتختلط المصلحة الشخصية بالمصلحة العامة.

لماذا؟.. لأن هذا العالم الخصب، عالم التراث والآثار، لو وجه ودبر وأدير، فهو عالم خصب وبالغ الثراء، وعالم مواز لكل العوالم المجاورة.