كان الشاعر الجاهلي يأبى التكسب بشعره فإذا اشتهر عنه أنه يبيع شعره بالمال فقد مصداقيته وتأثيره وصار قوله هينا على الناس، ولم يعد صالحا للتأثير والتوجيه وتحريك المجتمع، وبذلك فإنه سيفقد قيمته كمؤثر اجتماعي أو لسان للقبيلة كما كان يدعى آنذاك، لذلك كانت القبيلة إذا ولد فيها شاعر احتفلت بمولده وأقامت له الموائد والأفراح، فلقد كان الشاعر قديما بمثابة الـ سي إن إن والفوكس نيوز من ناحية الدعاية والتأثير وتوجيه الرأي العام، ومع أن هذه العوامل في التأثير معروفة منذ القدم وما زالت تدرس كأساسيات في صناعة التأثير تحت عناوين براقة مثل «المصداقية والموضوعية والمهنية» وكل يدعي وصلا بليلى، ومن خلال تلك العناوين تحاول كل وسيلة إعلام تعزيز مصداقيتها وإضعاف مصداقية خصومها بإظهار أنها محايدة في طرحها، وأنها لا تبحث عن شيء سوى الحق والحقيقة، فما لا يمكنها أن تكون موضوعية فيه حاولت الإيهام بالموضوعية من أجل التأثير في الناس وإقناعهم.

أقول على الرغم من هذا كله؛ إلا أني لا أعرف كيف يمكن لصانع قرار في القرن الواحد والعشرين الاستثمار الدعائي في أشخاص فاقدين للمصداقية ولا يحظون بأدنى درجات القبول والاحترام والتأثير في مجتمعاتهم فضلا عن المجتمعات الأخرى، فأمام هذا التنافس المحموم بين وسائل الإعلام والوفرة الغزيرة من المعلومات يصبح الانتباه هو الشيء النادر، ولا يمكنك الترويج لقضاياك من خلال هذا النوع الرديء من الناس، فحتى لو كان لديك جدب محلي في الموهبة يستدعي الاستعانة بإعلاميين من الخارج مستعدين للدفاع عن مشاريعك الأخلاقية وغير الأخلاقية وإقناع العالم بعدالة قضاياك ما دمت قادرا على ملء الأفواه والجيوب؛ فحاول أن تتعب نفسك في البحث عن نوع جديد من المرتزقة لم يكشفه الناس بعد، وما زال يعمل بطريقة التمويه والتخفي، مثل أن يمارس أعماله الدنيئة في الظلام وبعيدا عن أعين الناس، أما أن تأتي بشخص مفضوح لو قيَّمته بأي معيار أخلاقي لما عُدت منه بغير سواد الوجه فتلك أعجوبة لم أجد لها مثيلا في «أخبار الحمقى والمغفلين» وأنت بذلك كمن يضع الحمار على رأس القافلة.

لن أكذب عليكم وأقول إنني منزعج من الهجوم الإعلامي الذي يشنه بعض المرتزقة وعلى رأسهم أحد المحسوبين سابقا على الإعلام السعودي واستبساله في الدفاع عن دولة أخرى ضد بلده، بما يجعله غير محترم في نظر مستأجره ووضيعا أمام كل الأسوياء في العالم، كما أن هجومه على هذا البلد العظيم مفيد لسببين؛ أولهما: أن هذا النوع الرخيص من المرتزقة ليس له فائدة من ناحية الدعاية والتأثير والإقناع؛ بل إنه في مجال الدعاية مثل (طير ابن برمان) الذي كان يأتي بالأفاعي بدلا من الصيد ليلقيها على رأس صاحبه إلى أن لدغته إحداهن ومات! فالناس حين يصلون في احتقارهم لشخص حد الازدراء يستحيل أن يقبلوا منه أي شيء، ولن يصدقوه ولو أراهم الشمس في رابعة النهار، بل إن مجرد انحيازه لقضية بمثابة الدعاية السلبية لها، وكل مسبة يوجهها لجهة هي في الحقيقة تزكية لها ودعاية لمصلحتها، فالإنسان بفطرته يكره المرتزقة والمتآمرين على أوطانهم ولا يحترم شخصا بلا مبدأ وبلا هوية ومَن كل الأشياء عنده قابلة للبيع والشراء بما في ذلك الإنسانية والوطن، فضلا عن كونه معروفا بمواقفه الدنيئة وانحيازاته المشبوهة وتحولاته المنحدرة، وثانيهما؛ ليعرف الناس أن مواقفه المخزية لا تمثل إلا نفسه والجهات التي تدعمه ويعمل من أجلها، وأن لا علاقة للسعوديين بأفعاله التي يندى منها الجبين مثل زيارته لدولة احتلال ملعونة في الأرض والبحر والسماء، وانحيازه الوقح لمحتل في إبادته الجماعية لشعب أعزل يُفترض أن يشبهه في الهوية والعروبة والدين، بما يؤكد أن هذه الأرض المباركة طاهرة تنفي خبثها كما تنفي النار الخبث من الحديد.