تخيلوا معي ذلك، عاما بلا رواتب. إنه المستحيل بأم عينه، خصوصا في زمن كهذا الذي نعيشه. بالعقل والمنطق وبالعرف أيضا، وبكل لغات العالم هو من سابع المستحيلات، لكن بعض الشركات والمؤسسات في مجال الصيانة والنظافة لها رأي آخر، فهي ما زالت صاحبة السبق والريادة هنا، ولها فيه أن تأتي بما لم يأت به الأوائل.

تلك الشركات والمؤسسات قررت أن تكتب قصيدة جديدة في ديوان المعاناة، وهذه المرة تريد أن تجعل منها معلقة العصر التي أذهلت النقاد والتاع فيها العمال. تخيلوا شهر 2.. 3.. 4.. 12.. واكتمل عام بلا رواتب!.

إنه رقم جديد يدخل موسوعة «جينيس» للأرقام القياسية.. عام بلا رواتب؟!.

مسرحية يعاد عرضها مجددا، وقد احتكرت فيها «بعض الشركات» أدوار البطولة. ليست الوحيدة، ولكنها ربما تكون الأسوأ، فهي لم تتعلم أو تستفيد من تكرار هذا الدرس، ويؤكد ذلك عام بلا رواتب لعمال تركوا أوطانهم لأجل لقمة العيش، وعليهم من الالتزامات ما الله به عليم. تُغتال فرحتهم ويُقهرون بسبب عمل لا مسؤول كهذا.

عمل خلاف كونه يكسر النفوس ويُخل بالعقود، يسيئ للوطن وينخر في جسده. عام بلا رواتب.. صداع مزمن حلُمنا بأننا قد وجدنا العلاج المناسب له، بيد أن الأمر لم يتعد كونه كان مسكنا. أحسسنا معه ببعض الراحة وأن الأمور قد زانت وصلحت على الأقل فيما يخص أداء الحقوق، إذ كيف لموظف أو عامل أن يعيش شهرا دون راتب فكيف بعام؟!.

ذلك الصداع الذي أرتحنا منه بضع سنين، عاد إلينا من جديد، وهذه المرة عاد أشد وقعا وأكثر ألما وقسوة. عام بلا رواتب.. لا أقول ذلك مستحيل فقط بل إنه الكارثة، ولكنه كان، ولم يردعهم في ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم:

«اعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه»، ولم تنفع أو تشفع معه كل التدابير والحلول، وحتى تكرار الحيل، دون هذا التكرار المؤلم.

وهنا حدث ولا حرج.. فساد جار أو سقوط إداري، ولا تبحث بعد ذلك يا جاري.

وإلا كيف سنفسر هذا التكرار والوصول إلى ذلك الرقم القياسي؟!. ما نقوله نعيده وما نعيده نزيده، ومع الحكاية نفسها نرجع للبداية نفسها. لقد عدنا مجددا إلى المربع الأول.. عام بلا رواتب؟!.

لا تلوموا بعد ذلك العمالة في تلك الشركات إن قصروا أو تفرغوا لأعمال أخرى ما داموا لا يستلمون رواتبهم بل يقايضون حولها!. حتى يومنا هذا ونحن ندفع ثمن مثل تلك الشركات، التي ما زالت تعمل بسهولة دون حسيب أو رقيب أو أي تصنيف قد يمنع أو يحد من ذلك. والأدهى والأمر أنها ما زالت تتنقل هنا وهناك بالشخصية التالفة نفسها، حيث تبدأ الشركة أوالمؤسسة بشكل جيد، حتى تتمكن أو تضمن وجودها، ثم ما تلبث أن تتراجع وتجوس خلال الديار، لتصبح قدرا لنا أو دواء علينا تجرعه، على الرغم من علمنا بأنه لا جدوى منه، وما من حل أو خيار إلا الاستمرار حتى نهاية العقد أو نهايتنا..!.

وهكذا يستمر مسلسل تعاقب شركات المتردية والنطيحة!. كلما جاءت شركة لعنت أختها، ثم ما تلبث أن تأتي من تحتها، ونحن بين هذه وتلك إلى المصير نفسه، و«من موت إلى حضرموت، اللي نقوله نعيده واللي نعيده نزيده، ومع الحكاية نفسها يا قلب لا تحزن».

وما دمنا من رواد تلك الشركات والمؤسسات، من فئة أبو ريالين، فزيد الصبر زيده وهِلً الدمع يا عين.

حقيقة لا أدري إلى متى سيظل هذا الباب مفتوحا على مصراعيه لكل من هب ودب؟! وإلى متى سيغيب تصنيف وتنظيم تلك الشركات والمؤسسات؟! وإلى متى سيدوم ذلك التساهل .... ؟!.