ربما لا يوجد أحد في واشنطن لم يكن يعلم بالحملة الإعلامية الشرسة التي كانت تعد لمهاجمة السعودية، ربما كل من تعرف في واشنطن ودوائرها من أشخاص كان يقول لك عن الهجوم على المملكة وقيادتها إعلاميا، ويتساءل عن الاستعدادات السعودية للرد عليها، فهو لم يكن سرا بل كان متداولا بين الأروقة. وكان السؤال ليس متى بداية الحملة فهو شيء مفروغ منه، ولكن السؤال ماذا أعدت المملكة للرد؟

أذكر مقالة في بداية يناير الماضي بعنوان «حتى لا تتم شيطنة الخليج»، قلنا بالحرف الواحد «ومن الآن نقول لا يأتي أحدهم لاحقا ويقول إننا لم نحذر، تبدو بداية عاصفة إعلامية ينسق لها اليسار وبعض أعداء الخليج من اللوبيات، ولكن يمكن إبطال مفعولها إذا تم العمل بسرعة وفعالية، والإمساك بالمفاتيح الإعلامية بسرعة»، أعيد وأكرر لم يكن هذا سرا ولم يكن هذا بسبب مصادر خاصة بل حديث نسمعه من كثير من الباحثين السياسيين والإعلاميين الغربيين وأصوات اليسار!

طبعا توقعنا أننا سنجد خطة إعلامية مدروسة محترفة ومنسقة للرد، خصوصا أن الموضوع ليس مفاجئا، ولكن فوجئ الجميع حتى الإعلاميون الغربيون من الرد الإعلامي غير الرسمي على الحملة! رغم أن التقرير المنشور كان ضعيفا، أشبه بالمنخال من كثرة الفجوات فيه، وبسهولة يستطيع أي متابع أن يرد عليه ويفنده، وحتى بعض أصوات اليسار فوجئوا بضعف التقرير، لكن للأسف كانت الردود متأخرة وغير منسقة، ولم تقم بالرد كما ينبغي وبسرعة على الإعلام الأمريكي، أو المشاركة في النقاش والمداخلات!

الإعلام لدينا، وللأسف أصابه نوع من الارتباك، رغم أن الموضوع معروف مسبقا، والبعض سكت كأنه ينتظر الرد الحكومي الذي يختلف كليا عن الرد الإعلامي. تصرفت الحكومة بدبلوماسية وهدوء وامتصت الموجة، ولا أشك أن هناك ألف قناة سواء رسمية أو سرية أو خلفية بين البلدين لنقاش الموضوعات وهذه هي طبيعة السياسة الدولية، لكن أنت أيها الإعلامي تستطيع الرد بما تراه وما هو ظاهر للعيان، وكلامك محسوب عليك، لكن الحكومة وضعها مختلف وردودها لها قنوات أخرى! إذا لم تبادر كإعلامي بالرد باحترافية على موضوع مهم مثل هذا، فمتى سترد وتدافع عن بلدك؟!

البعض كالعادة محلي «والمحلي يبقى محليا» سواء هاشتاقات بالعربي وشرح الموضوع وإعادة المعاد، وكأن الناس في المملكة لا تعرف بلدها! يا أخي، المواطنون يعرفون بلدهم وقادتهم أفضل معرفة، فلماذا تعرف المعرف! والبعض مرسل قصائد وشيلات، وكأن وزير الخارجية الأمريكي ومستشار الأمن القومي الأمريكي لا ينامون الليل إلا ويسمعون كم شيلة!

الغريب في الموضوع أن بعض الإعلاميين السعوديين حتى من يعرف الإنجليزية، حول وصار يغرد بالعربي! كلنا ثقة فيهم أنهم لا يخشون شيئا من الإدارة الأمريكية الجديدة، ولا يخشون على الفيزا لأمريكا! ها نحن نزور أمريكا باستمرار، ولكن هذا لا يمنع من إبداء رأينا بكل صراحة في تخبطات الحكومة الأمريكية!

سأذكر البعض بقصة شهيرة، أيام الحملة الإعلامية الشعواء على المملكة بعد أحداث سبتمبر 2001. كانت السفارة على عهد أبو خالد خلية نحل، عادل الجبير سلم الشق الإعلامي والردود والمشاركات والحوارات، ودافع عن المملكة باحترافية وباللغة التي يفهمها الإعلام الأمريكي، بينما أبو خالد تفرغ للقنوات الدبلوماسية والخلفية، وكان يمتص الردود والغضب، كان هناك تناغم على جهتين، وهكذا تكون إدارة الأزمات! الله يذكر أيامك بخير يا أبو خالد، حتى الأمريكيون والإعلاميون والباحثون السياسيون، لما تناقش معه حاليا يذكرون أيامه، الآن لما تذكر اللوبيات والنفوذ في واشنطن لم نعد نسمع طاريا!

نأتي لموضوع مهم، وربما يفسر هذا الارتباك وعدم الرد باحترافية وعدم سماع الصوت الإعلامي السعودي خارجيا، دعونا نفتح الملفات ونذكر بعض الأمور التي ربما تذكر لأول مرة.

العديد من الإعلاميين السعوديين لا يصلحون لنشر وجهة النظر السعودية دوليا لعدة أسباب:

أولا، الإعلام الغربي لديه علاقة تكافلية مع أجهزة الاستخبارات الغربية، هم يسربون له بعض ما تريد هذه الأجهزة تسريبه، وفي المقابل الإعلاميون يحصلون على معلومات عن بعض الأشخاص والأمور، تفاجأت أن بعض الصحفيين يعرف علاقتنا المالية لعدة سنوات، أحدهم بالفم المليان قال لنا: لا أتفق مع وجهة نظرك في هذا الموضوع، لكن يعجبني دفاعك وإخلاصك لآرائك مع أنك لا تستلم شيئا (مال) من مراجعة حساباتك المالية لآخر 5 سنوات! هم يعرفون من يأخذ ومن يدافع عن رأيه،

وما نحتاج (نكب العشاء) في هذا المقال «هم عارفين»!

ثانيا، طريقة مخاطبة الآخر والإعلام الدولي لها لغة مختلفة، «شغل الهياط» المحلي عند البعض، لا يقنع جريدة غربية درجة ثالثة، بالحجة واللغة التي يفهمها الغرب، وليس كل من يتحدث الإنجليزية يجيد هذه اللغة، ترجمة أفكارنا العربية أو المحلية حرفيا للغرب، أمر يأتي بنتائج عكسية كثيرا، فالفكر والثقافة مختلفان!

ثالثا، العديد من الإعلاميين لا يريد أن يخاطب الغرب، بل المحلي، لأن المحلي يعني زيادة مكانة وشعبية وشهرة، ولا مانع

من بعض الهياط، وأيضا كل من كتب تغريدة أو مقالا، أرسله بالواتس آب لمن يعتقد أنهم «قالطين» لعل وعسى يقرب!

رابعا، شللية الإعلام السعودي، وهذه الشلة مستفيدة من الميزات، وبما أنها غير قادرة ولا تملك الإمكانات لمجاراة الإعلام الدولي، فإنها تعرقل كل جهد لإعلام دولي، لذلك ترمي المسؤولية على بقية الإدارات! كم من هؤلاء الذين يطلق عليهم الإعلامي الكبير، يستطيع بلغته «المهايطية» أن يقنع جمهورا من 10 أشخاص في أحد مراكز الفكر الأمريكية!

خامسا، لن يتحسن وضع صورة المملكة إذا لم يوجد سعوديون في مراكز الفكر(ثنك تانك) في أمريكا، أو إنشاء مراكز فكر للخليج في أمريكا، لأنها مصنع إنتاج اللوبيات الحقيقي، وصنع وطبخ السياسات والسياسيين، ولأنها تتكلم بلغة ثانية (اللغة المؤسساتية)، ذكرتها وأعيدها، لا أعرف ربما إلا سعوديين أقل من أصابع اليد الواحدة، يتكلمون اللغة المؤسساتية لمراكز الفكر! نحن وسط المجال منذ سنوات وبشكل يومي، ونعرف القدرات الحالية وعدد المؤهلين. وأيضا الطريقة القديمة من دفع الأموال لشركات العلاقات العامة لم تعد تجدي نفعا، تم ضخ أموال كثيرة على هذه الشركات والنتيجة كما نرى، لا ترى وجوههم في الدفاع عنك بالإعلام بل ما تراهم إلا عند تجديد العقود!

قبل فترة قال الوزير، إنه ليس راضيا عن الإعلام، وقلتها لمعاليه سابقا في لقاء، نريد استقطاب كفاءات أجنبية لمخاطبة الإعلام الغربي. وهؤلاء سيظهرون صورة المملكة الحقيقية، لأنهم يعرفون دهاليز الحملات الغربية، وكيفية مخاطبة العقلية الغربية، وتدريب ربعنا. كنت دبلوماسيا وقتها، وتفاجأ الجميع من طلبي إحضار خبراء أجانب، ولكن الآن سأكون أكثر وضوحا، وسأضيف، إن العديد من مجموعات الإعلاميين المحليين (ما ينغزا بهم دوليا)، لذلك طالبنا بالخبراء الأجانب. لا تستطيع توقع كثير من بعض المحليين مهما كبرت أسماؤهم، فهم لا يملكون المهارات والمؤهلات، وخلاص «شبعت بطونهم». إذا لم نتخلص من الشللية في الإعلام، ويكون التقديرللكفاءة والمهارة، فلن يتقدم الإعلام السعودي الخارجي، وستبقى الحال كما هي عليه، وستبقى «الشيلات» هي الوسيلة لمخاطبة السياسيين الغربيين، ووسائل الإعلام العالمية!